شوقي ضيف

284

المدارس النحوية

وإذا أخذنا نتعقب آراءه وجدناه يمثل الطراز البغدادي الذي رأيناه عند أبي على الفارسي وابن جنى ، فهو في جمهور آرائه يتفق ونحاة البصرة الذين نهجوا علم النحو ووطّأوا الطريق إلى شعبه الكثيرة ، ومن حين إلى حين يأخذ بآراء الكوفيين أو بآراء أبى على أو ابن جنى ، وقد ينفرد بآراء خاصة به لم يسبقه أحد من النحاة إليها . ويكفى أن نرجع إلى المفصل فسنراه يضع كتاب سيبويه نصب عينيه ، حتى ليصبح ملخصا له أحيانا على نحو ما يلقانا في باب المفعول المطلق وصوره الكثيرة ، وغالبا ما يتابعه في آرائه النحوية ، ونضرب لذلك بعض الأمثلة من القسم الأول من كتابه ومن صحفه الأولى التي شرحها ابن يعيش ، فمن ذلك متابعته له في أن الفعل الثاني هو العامل في باب التنازع « 1 » وأن مثل « هل زيد قام » تعرب فيه زيد فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور لا مبتدأ كما ذهب الكوفيون « 2 » ، وكذلك متلوّ إن الشرطية في مثل : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ) « 3 » . واختار رأيه في أن متلو لولا في مثل « لولا على لسافرت » مبتدأ خبره محذوف « 4 » وفي أن خبر إن وأخواتها مرفوع بها لا بما كان مرتفعا به قبل دخول إن كما زعم الكوفيون « 5 » ، وفي أن الناصب للمنادى ما ينوب عنه حرف النداء وهو الفعل مثل أريد وأدعو « 6 » . وجعله تشرّب روحه للمذهب البصري يعبّر عن البصريين كما عبر عنهم أبو علي الفارسي وابن جنى باسم أصحابه ، فهو في أغلب أحواله إما أن ينزع عن قوسهم جميعا ، وإما أن ينزع عن قوس بعضهم كأخذه برأي الخليل في أن الفاعل أصل المرفوعات والمبتدأ محمول عليه ، وكان سيبويه كما أسلفنا منذ قليل يذهب إلى العكس « 7 » ، وكأخذه برأي الأخفش في أن الكاف تأتى في النثر كثيرا مرادفة لمثل ، فتعرب إعرابها وتخرج عن حرفيتها ، وبذلك جوّزا أن تعرب في مثل « زيد كالأسد » خبر لزيد مضاف للأسد « 8 » ، وكأخذه برأي المبرد في أن لفظ « الآن » مبنى لأنه استعمل من أول وضعه بالألف واللام ، ولم يستعمل نكرة « 9 » ، وكأخذه

--> ( 1 ) انظر ابن يعيش على المفصل 1 / 77 . ( 2 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 81 . ( 3 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 82 . ( 4 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 95 . ( 5 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 101 . ( 6 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 127 . ( 7 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 71 وقابل بالهمع 1 / 93 . ( 8 ) ابن يعيش على المفصل 8 / 42 . ( 9 ) ابن يعيش 4 / 103 .