شوقي ضيف
257
المدارس النحوية
وضوح . وهو بذلك بغدادي ينتخب من المدرستين ما يراه أولى بالاتباع ، وإن غلب عليه النزوع إلى المذهب البصري لأنه كان المذهب الذي حرّرت أصوله وفروعه وعلله . وكان عقل أبى على من الخصب بحيث ملأ نفس ابن جنى تلميذه ، حين ألمّ بالموصل ، من جميع أقطارها ، وهو يكثر من ذكر آرائه في كتابه الخصائص وغيره ، حتى ليبدو كأنه كان كنزا سائلا بمسائل اللغة والنحو وما يجرى فيها من ضبط الأصول وضبط الأقيسة والعلل ، وقد استضاء به في كثير من الأصول الكلية التي حرّرها في كتابه الخصائص ، فمن ذلك « السلب » يقول : « نبّهنا أبو علي - رحمه اللّه - من هذا الموضع على ما أذكره وأبسطه لتتعجّب من حسن الصنعة فيه » « 1 » ويأخذ في بيان أن الأصل في الفعل الإثبات مثل قام فهي لإثبات القيام ، ثم يقول إنهم قد استعملوا ألفاظا في السلب ابتداء مثل مادة « عجم » فهي للإبهام ، ولتوضيح ذلك يعرضها في استعمالاتها المختلفة ، ثم يبين أنهم قد يدخلون الهمزة على الفعل لإفادة السلب مثل أشكيت الرجل إذا زلت له عما يشكوه ، وقد يضعفون ثانيه لنفس الغاية مثل مرّضت الرجل أي داويته من مرضه ، وقد يأتي السلب بدون زيادة . ويفيض ابن جنى نقلا عن أستاذه في أمثلة كثيرة . ونراه ينقل عنه في باب تعارض القياس والسماع أمثلة خالف فيها العرب القياس مبينا أن ما استقر على لسانهم هو الأساس « 2 » . وبالمثل ينقل عنه في باب الاستحسان وهو ما تكون علته ضعيفة غير مستحكمة مثل قولهم رجل غديان والقياس غدوان لأنه من قولهم غدوت « 3 » . ومن ذلك باب نقض المراتب إذا عرض عارض كتقديم المفعول به عل الفاعل « 4 » . ومن ذلك باب تلاقى اللغة ، يقول : « هذا موضع لم أسمع فيه لأحد شيئا إلا لأبى على رحمه اللّه » « 5 » ويذكر مما جاء على لسانه منه أجمع وجمعاء وأكتع وكتعاء وأخواتهما فإن هذه الصيغة لا تأتى إلا صفة ، بينما هي في تلك الأمثلة معارف .
--> ( 1 ) الخصائص لابن جنى ( طبعة دار الكتب المصرية ) 3 / 75 . ( 2 ) الخصائص 1 / 125 . ( 3 ) الخصائص 1 / 143 . ( 4 ) الخصائص 1 / 293 وما بعدها . ( 5 ) الخصائص 1 / 321 .