شوقي ضيف
179
المدارس النحوية
بدليل حكايتها بالمضارع في الفعل السابق : ( وَنُقَلِّبُهُمْ ) وكأن التقدير : وكلبهم يبسط ذراعيه . غير أن الكسائي تمسك بالآية واتخذ منها قاعدة كلية مجوزا مثل « زيد معط عمرا أمس درهما » . وتابعه في ذلك تلميذه هشام بينما ظل الفراء مع جمهور البصريين لا يجيز إعمال اسم الفاعل في المفعول به إذا كان بمعنى الماضي « 1 » . ومن ذلك الآية الكريمة : ( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ) فقد رأى المضارع فيها محذوف النون ، فقال إنها حذفت على تقدير لام الأمر ، واتخذ من ذلك قاعدة عامة ، هي حذف لام الأمر من المضارع بشرط تقدم « قل » عليه كما في الآية ، بينما كان البصريون يرون أن الفعل المضارع مجزوم في جواب الأمر مثله في نحو « ائتني أمك » « 2 » . وعلى نحو ما كان يتخذ من بعض الحروف في القراءات قواعد يخالف فيها سيبويه والخليل كان يصنع ذلك تلقاء الأقوال والأشعار الخارجة على مقاييسهما ، بل لقد وجد فيها مادة أوسع وأغزر ، فمن ذلك أنه رأى بعض العرب يقول : « لا عبد اللّه في الدار » . بإعمال لا عمل إنّ ونصب عبد اللّه ، ومعنى العبارة أن أحدا من الناس لا يوجد في الدار ، لاستعمال عبد اللّه هنا في أي رجل كان ، غير أنه قاس على عبد اللّه بقية الأعلام منتهيا إلى قاعدة عامة ، هي أن لا النافية للجنس يجوز أن يليها العلم فيقال : « لا زيد في الدار » . وواضح ما في قياسه من خطأ ، ولذلك رفض تلميذه الفراء قاعدته ، لأن لا النافية للجنس تتطلب أن يكون اسمها نكرة أو كالنكرة حتى تفيد النفي العام الشامل كما لاحظ البصريون . ولعل في ذلك ما يلفت إلى أن الكسائي كانت تفلت منه أحيانا العلة السديدة التي توجب القاعدة النحوية ، وكأنه لم يكن يسبر الشواهد التي يشتق منها أحكامه النحوية دائما سبرا دقيقا « 3 » . ومن ذلك أن البصريين منعوا تقديم المستثنى في أول الكلام موجبا كان أو
--> ( 1 ) المغنى ص 770 ، والهمع للسيوطي 2 / 95 . ( 2 ) المغنى ص 248 وانظر الكتاب 1 / 452 . ( 3 ) الهمع 1 / 145 .