شوقي ضيف

180

المدارس النحوية

منفيّا ، فلا يقال « إلا زيدا قام القوم » ولا « إلا زيدا ما أكل أحد طعاما » ولا « ما - إلا زيدا - قام القوم » وسمع الكسائي : خلا اللّه لا أرجو سواك وإنما * أعدّ عيالي شعبة من عيالكا فلم يلتفت إلى أن ذلك ضرورة شعرية دفعت الشاعر إلى المخالفة المنطقية لترتيب الكلام ، فسوّغه لا في « خلا » وحدها بل أيضا مع « إلا » ، بحجة أنها الأصل في الباب وخلا فرع لها ، والأصل أولى بما يجوز في الفرع ، وبذلك وضع قاعدة عامة هي جواز تقديم المستثنى في أول الكلام سواء أكان موجبا أم منفيّا « 1 » . ورأى الأخفش يجيز تأخير المعمول للفعل إذا كان ظرفا أو جارّا ومجرورا وتقدم المستثنى عليه لقوله تعالى : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) فقد تأخر الجار والمجرور ( بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) وتقدم المستثنى ( إِلَّا رِجالًا ) ووقع له في بعض الشعر : « فما زادنى إلا غراما كلامها » بتوسط المستثنى بين الفعل والفاعل ، فوضع قاعدة عامة ، خالف بها جمهور البصريين ، وهي أنه يجوز تقديم المستثنى على المعمول للفعل مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا « 2 » . وذهب سيبويه والبصريون وجمهور الكوفيين إلى أن « خلا » إذا تقدمتها ما المصدرية تعيّن نصب المستثنى بعدها ، وجوّز الكسائي فيه الجرّ على أن تكون ما زائدة فتقول « قام القوم ما خلا محمدا بالنصب » وما خلا محمد بالجر . وعلق ابن هشام على ذلك في المغنى بأن القياس يمنع ذلك لأن « ما » لا تزاد قبل الجار والمجرور ، إنما تزاد بعد حرف الجر مثل ( عَمَّا قَلِيلٍ ) ( فَبِما رَحْمَةٍ ) وقال : إن احتج بالسماع فهو من الشذوذ الذي لا يصح القياس عليه « 3 » . وربما كان أغرب ما ذهب إليه الكسائي من أحكام في باب الاستثناء أنه جوّز في مثل « ما قام إلا محمد » نصب محمد على الاستثناء ، مستدلا بقول بعض الشعراء : لم يبق إلا المجد والقصائدا * غيرك يا بن الأكرمين والدا بنصب المجد وغيرك . وردّ عليه جمهور النحاة بأن غيرك هي الفاعل وفتحتها

--> ( 1 ) الإنصاف : المسألة رقم 36 والهمع 1 / 226 . ( 2 ) الهمع 1 / 230 . ( 3 ) المغنى ص 142 وانظر الهمع 1 / 233 .