شوقي ضيف
168
المدارس النحوية
مدرسة البصرة في بعض مصطلحاتها ، ولذلك رفضها نحاة العصور التالية فيما عدا اصطلاح النعت وعطف النسق كما قدمنا ، على أن كلمتي العطف والنعت دارتا عند سيبويه في حديثه عن التوابع في الكتاب . والحق أنها مصطلحات أريد بها أو على الأقل بأكثرها إلى مجرد الخلاف على مدرسة البصرة ، ومما يدل على ذلك أوضح الدلالة موقف هؤلاء النحاة من ألقاب الإعراب والبناء التي وضعتها المدرسة البصرية ، إذ ميزت بين حركات أواخر الكلمات المعربة والمبنية ، فجعلت الرفع والنصب والجر والجزم للمعربة ، وجعلت الضم والفتح والكسر والوقف أو السكون للمبنية ، وفكر الكوفيون طويلا هل يمكن أن يضعوا لهذه الألقاب أسماء جديدة ؟ حتى إذا أعياهم ذلك لجئوا إلى قلبها ، فجعلوا ألقاب الإعراب للمبنى من الكلمات وألقاب البناء للمعرب « 1 » ، وطبعا تلقّى النحاة من حولهم ومن بعدهم ذلك بالرفض الباتّ ، لأنه لا تدعو إليه حاجة ، ولأنه يؤول إلى إفساد ما بأيديهم من كتب النحو البصري الذي اتخذوه إمامهم ، بل كان أيضا إماما للكوفيين وعلما مرفوعا ، يهتدون به ويستمدون منه مددا لا ينضب معينه . وعلى نحو ما حاولوا الخلاف على المدرسة البصرية في بعض مصطلحاتها النحوية حاولوا الخلاف عليها في جوانب من العوامل والمعمولات ، من ذلك إعراب المبتدأ والخبر ، فقد ذهب البصريون إلى أن العامل في المبتدأ الرفع هو الابتداء ، أما الخبر فذهب جمهورهم إلى أنه مرفوع بالمبتدأ ، وقال قوم منهم إنه مرفوع بالابتداء ، مثله في ذلك مثل المبتدأ . وذهب الكوفيون إلى آن المبتدأ يرفع الخبر ، والخبر يرفع المبتدأ ، فهما مترافعان « 2 » . وهو رأى واضح الضعف ، لأنه ينتهى بالكوفيين إلى الدور المحال ، كما يؤول إلى أن يرتفع المبتدأ بشئ يجرى على اللسان قبل النطق به . وقد لا يكون الخبر اسما مرفوعا بل يكون فعلا في مثل « محمد كلمته » وقد ذهبوا في هذه العبارة إلى أن رافع المبتدأ هو الضمير المنصوب العائد على المبتدأ والمتصل بالفعل ، وهو إبعاد في تقدير العامل في المبتدأ ، بل هو تكلف شديد ، ومرّ بنا في ترجمة الجرمي مناظرته مع الفراء في مثل هذا
--> ( 1 ) الرضى على الكافية 1 / 21 ، 2 / 3 وابن يعيش 1 / 72 . ( 2 ) الإنصاف : المسألة رقم 5 والهمع 1 / 94 والرضى 1 / 78 وابن يعيش 1 / 84 .