شوقي ضيف

161

المدارس النحوية

في القياس وضبط القواعد النحوية ، ذلك أن البصريين اشترطوا في الشواهد المستمد منها القياس أن تكون جارية على ألسنة العرب الفصحاء وأن تكون كثيرة بحيث تمثل اللهجة الفصحى وبحيث يمكن أن تستنتج منها القاعدة المطردة . وبذلك أحكموا قواعد النحو وضبطوها ضبطا دقيقا ، بحيث أصبحت علما واضح المعالم بيّن الحدود والفصول . وجعلهم ذلك يرفضون ما شذ على قواعدهم ومقاييسهم لسبب طبيعي ، وهو ما ينبغي للقواعد في العلوم من اطرادها وبسط سلطانها على الجزئيات المختلفة المندرجة فيها . ولم يقفوا عند حد الرفض أحيانا ، إذ وصفوا بعض ما شذ على قواعدهم مما جرى على ألسنة بعض العرب بأنه غلط ولحن ، وهم لا يقصدون اتهامهم بذلك حسب المدلول الظاهر للكلمتين ، إنما يقصدون أنه شاذ على القياس الموضوع وخارج عليه فلا يلتفت إليه . وتوقف كثير من المعاصرين الذين يخوضون في المباحث النحوية عند هذين اللفظين وحاولوا الرد على البصريين غير متنبهين لمدلول الكلمتين عندهم ومقصدهم منهما . وكل من يعرف كيف توضع القواعد في العلوم يدرك دقة البصريين في وضعهم لقواعد النحو والتمكين لما ينبغي لها من صحة وسلامة وسداد ، بحيث يطّرد سلطانها وينبسط على جميع الألسنة ، وبحيث تصبح هي المتحكمة إزاء جميع العيون وتجاه جميع الأسماع ، وبحيث لا يفسدها شذوذ قد يندّ على بعض الأفواه . وقد وقف الكوفيون من هذا البناء العلمي المحكم موقفا يدل على نقص فهمهم لما ينبغي للقواعد العلمية من سلامة واطراد ، إذ اعتدّوا بأقوال وأشعار المتحضرين من العرب ، كما اعتدوا بالأشعار والأقوال الشاذة التي سمعوها على ألسنة الفصحاء ، مما خرج على قواعد البصريين وأقيستهم ومما نعتوه بالخطأ والغلط . ولم يكتفوا بذلك فقد حاولوا أن يقيسوا عليها وقاسوا كثيرا ، مما أحدث اختلاطا وتشويشا في نحوهم ، لما أدخلوه على القواعد الكلية العامة من قواعد فرعية قد تنقضها نقضا ، مع ما يؤول إليه ذلك من خلل في القواعد وخلل في الأذهان ، بحيث لا تستطيع فهم ذلك إلا بأن يعكس عليها مرارا وتكرارا ، لاختلاط القواعد وتضاربها ، وأحسّ ذلك القدماء في وضوح فقالوا : « لو سمع الكوفيون بيتا واحدا