شوقي ضيف

162

المدارس النحوية

فيه جواز شئ مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه » « 1 » وقالوا : « عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظا في شعر أو نادر كلام جعلوه بابا أو فصلا » « 2 » . ولعلنا بذلك نستطيع أن نفهم السّرّ في أن نحو المدرسة البصرية هو الذي ظل مسيطرا على المدارس النحوية التالية وعلى جميع الأجيال العربية التي جاءت من بعدهم ، لأن قواعدهم هي القواعد المطردة مع الفصحى ، ونقصد الكثير فيها الذي استخرجت منه تلك القواعد استخراجا مصفّى مروّقا أروع ما يكون الترويق والتصفية . على أنه ينبغي أن نعرف أن المدرسة البصرية حين نحّت الشواذ عن قواعدها لم تحذفها ولم تسقطها ، بل أثبتتها ، أو على الأقل أثبتت جمهورها ، نافذة في كثير منها إلى تأويلها ، حتى تنحّى عن قواعدها ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن خللا يشوبها ، وحتى لا يغمض الوجه الصحيح في النطق على أوساط المتعلمين ، إذ قد يظنون الشاذ صحيحا مستقيما ، فينطقون به ويتركون المطّرد في لغة العرب الفصيحة وتصاريف عباراتهم وألفاظهم . ومن هنا يتضح خطر قواعدهم بالقياس إلى ما زاده الكوفيون من قواعد استنبطوها من الشواذ النادرة ، إذ إن ذلك يعرّض الألسنة للبلبلة ، لما يعترضها من تلك القواعد التي قد تخنق القواعد العامة . وقد ينجذب إليها بعض من لم يفقه الفرق بين القاعدة الدائرة على كثرة الأفواه بل على كثيرها الأكثر والقاعدة التي لم يرد منها إلا شاهد واحد ، مما قد يؤول إلى اضطراب شديد في الألسنة . وكأنما غاب غور هذا العمل وما أرسى به من علم النحو على بعض المعاصرين فإذا هو يطعن على البصريين لذلك الموقف بينما يحمد للكوفيين موقفهم ، مطريا لهم زاعما أنهم كانوا أدق من البصريين في فقه طبيعة العربية والإحساس بدقائقها التي لا تخضع دائما لمنطق العقل . وهو كلام لا يقوله إلا من لا يعرف كيف توضع القواعد في العلوم وأنه ينبغي أن يرفع عنها كل ما يعترضها من اضطراب ، بحيث تبسط سلطانها على جميع العناصر والجزئيات بسطا تامّا كاملا . وما

--> ( 1 ) الاقتراح للسيوطي ( طبعة حيدر آباد ) ص 84 . ( 2 ) همع الهوامع 1 / 45 .