عصام عيد فهمي أبو غربية
195
أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق
والحقيقة ؛ فإن المتأخرين من النحاة هم الذين أثاروا هذه القضية ، وذلك لأن ابن مالك أجاز الاستشهاد بالحديث مطلقا وتبعه في ذلك ابن هشام ، وأول من أثار هذه القضية أبو الحسن بن الضائع ت 68 . ه عندما تعرّض لشرح كتاب « الجمل » للزجاجى ، يقول : « تجويز الرواية بالمعنى هي السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث ، لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ؛ لأنه أفصح العرب » . ( الاقتراح 43 ، عقود الزبرجد في إعراب الحديث النبوي للسيوطي تح د . سلمان القضاة - دار الجيل بيروت سنة 1414 ه - سنة 1994 م ، 1 / 69 وأبو حيان ينكر على ابن مالك إكثاره من الاستشهاد بالحديث ( عقود الزبرجد 1 / 69 ، 70 ) وقد احتج المانعون بجملة أمور هي : الأول : أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى . الثاني : أنه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث ؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا أعاجم . الثالث : أن أئمة النحو المتقدمين لم يفعلوا ذلك . ينظر : عقود الزبرجد 1 / 7 . ، 79 ) وقد أمعن أبو حيان الكلام في هذه المسألة ؛ لئلا « يقول مبتدئ : ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر ، ولا يستدلون بما روى في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما ؛ فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث » . ( عقود الزبرجد 1 / 70 ) ( ب ) مذهب المجيزين : وأما الذين أجازوا الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف ؛ فهم كثير من أصحاب المعاجم ، حيث اختلف موقفهم عن موقف النحاة ؛ إذ لم يجدوا حرجا في الاستشهاد بالأحاديث النبوية ، ويكفينا لمعرفة ذلك الاطلاع على معجم العين للخليل بن أحمد ، والصحاح للجوهري ، والتهذيب للأزهرى ت 282 ه ، والمخصص لابن سيده ، والمجمل ومقاييس اللغة لابن فارس ، وأساس البلاغة والفائق للزمخشري ( في أصول النحو للأفغانى / 44 ) وأما النحاة ؛ فقد قيل : إن أول من اتخذ الأحاديث أصلا من أصول اللغة للاستشهاد بها على قواعد النحو هو الزمخشري ت 538 ه الذي أكثر من الاحتجاج به ، بل تعدى ذلك إلى الاستشهاد بكلام أهل البيت . وإن استشهد به من قبل أحيانا أبو علي الفارسي ت 377 ه وابن جنى ت 392 ه وابن برى المصري ت 582 ه ، وأيضا استشهد به من قبله في مصنفاتهما ابن خروف والسهيلي . ( النحو العربي شواهده ومقدماته د . ماهر أحمد البقرى - مؤسسة شباب الجامعة - سنة 1988 م ص 96 ، عقود الزبرجد 1 / 69 ) . وقد توسع ابن مالك في هذا المذهب حتى صار اتجاها له ، وأيضا الرضى ، وابن هشام ، والدمامينى ، وعبد القادر البغدادي . ( ج ) - مذهب المتوسطين : حيث كان هناك من النحاة من وقف موقفا وسطا بين الطائفتين السابقتين ، وعلى رأس هؤلاء الإمام أبو الحسن الشاطبى ت 79 . ه الذي أنكر على المانعين استشهادهم بكلام العرب ، وتركهم الأحاديث الصحيحة لشبهات ضعيفة ، يقول : « لم نجد أحدا من النحويين استشهد بحديث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم الذين يبولون على أعقابهم ، وأشعارهم التي فيها الفحش والخنا ، ويتركون الأحاديث الصحيحة ؛ لأنها تنقل بالمعنى ، وتختلف رواياتها وألفاظها » وقد قسم الحديث قسمين : قسم يعتنى ناقله بمعناه دون لفظه ، وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه ( ينظر تفصيل ذلك في الخزانة 1 / 12 ، 13 ) .