محمد المختار ولد أباه
60
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
ويحتل أبو عمرو مكانة متميزة في تاريخ النحو واللغة ، نظرا لانتمائه العربي الأصيل ، فنسبه في مازن بن عمرو بن تميم وولاؤه في بني ضبة . ولد بمكة ونشأ في محيط البصرة الثقافي ، وطلب العلم قبل الاختتان ، وتتلمذ على علماء البصرة أمثال نصر بن عاصم ، وابن أبي إسحق الحضرمي ، والحسن البصري . ثم سعى إلى توسيع دائرة معارفه ، فرحل إلى الحجاز وسمع من قرائه وشيوخه ، ثم توجه إلى الشام وإلى اليمن ، فاقتنى ثروة علمية واسعة ، مقدمتها القرآن العربي المبين ، فأحكم روايته عن أئمة عصره ، إذ أخذ القراءة والتفسير عن مجاهد وعكرمة ، وحفظ من الشعر والغريب ما لا يعرفه غيره ، وسمع لغات القبائل في أماكنها واستفسرها عن أقوالها . ويقول إنه عرف من النحو ما لا يستطيع الأعمش حمله « 1 » . وهكذا جمع أبو عمرو بين السليقة والاكتساب ، وأجمع أهل عصره على توثيقه ، فكان إمام القراء ، وأستاذ اللغويين والنحاة ، فتصدر منابر التدريس ، ومجالسا لمناظرات . وتتلمذ له العلماء الأعلام ، فممن قرأ عليه يونس بن حبيب الضبّي ومعاذ الهراء ، وعبد الملك بن قريب الأصمعي ، وأبو عبيدة معمر بن المثنى ، وأبو محمد اليزيدي ، فاستحق بجدارة أن يحمل لقب « شيخ العلماء » . إن قراءته ما زالت متداولة ، حديثا وقديما أثنى عليها العلماء ، من ذلك قول أبي عبيد القاسم بن سلام أن شجاع بن أبي نصر حدثه أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فعرض عليه أشياء من قراءة أبي عمرو فما ردّ منها إلا حرفين ، وهما وَأَرِنا مَناسِكَنا ( البقرة - الآية 128 ) ، باختلاس الكسرة في « أرنا » . والثانية ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) ( البقرة - الآية 106 ) « 2 » ، وكان من مميّزات قراءته الميل إلى تخفيف النطق في الأداء . واشتهر بالإدغام الكبير وتسهيل الهمز بحذف إحدى الهمزتين في نحو ( جا
--> ( 1 ) القفطي : إنباه الرواة ، ج 1 ص 132 . ( 2 ) ابن الجزري : غاية النهاية .