محمد المختار ولد أباه
299
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
وذكر أن العطف لا يعني الترتيب الزمني ، وإنما يوحي بأهمية الأسبق في سياقه « 1 » ، وإن « غير » يختلف معناها عن « لا » فإذا قلت هذا غلام زيد لا عمرو فقد أكدت نفي الإضافة عن عمر ، بخلاف قوله « هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث ، فإنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه وبين الصفة المذمومة . وبذلك خرّج قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) ( الفاتحة ) وفي الفرق بين « لا » و « لن » يقول السهيلي ، إن « لا » يمتد بها الصوت فيأذن امتداد لفظها بامتداد معناها كقوله تعالى : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً ( الجمعة - الآية 7 ) فعم جميع الأزمنة ، وفي سورة البقرة قال سبحانه : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ( البقرة - الآية 95 ) ، فقصّر في سعة النفي وقرب ، لأن قبله في النظم : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ( البقرة - الآية 94 ) ، فكان يقول عز وجل إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة ، وثبتت لكم في علم اللّه ، فتمنوا الموت الآن . ثم قال في الجواب « وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ » ، فانتظم الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا . وذكر أن الإظهار يأتي للتعظيم مثل قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ( آل عمران - الآية 30 ) ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ( البقرة - الآية 185 ) ، بدلا من قوله : « نحذركم ، ونريد بكم » « 2 » . وهذه الأمثلة تشير إلى التصور الفكري للنظام القرآني عن أبي القاسم السهيلي وهي تختلف عما ألفناه لدى مؤلفي معاني القرآن مثل أبي عبيدة ومن سار في ركبه . صحيح أن هؤلاء اعتمدوا القرآن مثالا أعلى للفصاحة العربية ، ولكنهم لم يتجاوزوا حجيته اللغوية بينما نرى السهيلي يتدبر علاقة ألفاظه بالمعاني ، وتصريف آياته في تنوع التعبير ، فتتضح عنده الصلات بين الصيغ اللغوية ووجوه الإعجاز ، فاعتبر القرآن الكريم سماعا من نوع خاص . الحديث : وكان من نتائج فكره أن أدرج الحديث في منهجه اللغوي ، وقام بتوجيهات
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 13 . ( 2 ) البنا : أبو القاسم السهيلي ومنهجه النحو ص 150 .