محمد المختار ولد أباه

12

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

النحاة : « إنه لم يسبقه إلى مثله أحد قبله ولم يلحق به بعده » ألا وهو كتاب سيبويه « 1 » . وبعد هذا الكتاب ، لم يغادر سيبويه للنحاة من متردم ، سوى تفريعات جزئية ، لا تمس هيكل الصرح الشامخ ، الذي وضع الخليل تصميماته الهندسية ، وقام سيبويه بتشييده ، وكل من جاء بعده ، لم يستطع سوى وضع لمسات تكميلية ، كإضافات فرعية ، أو اعتراضات على بعض التراكيب الثانوية ، أو تبديل المصطلحات الاسمية أو اختيارات تعليلية . صحيح أن أهل الكوفة ، بذلوا جهودا طيبة في توسيع ساحة هذا الصرح ، وإثراء رصيده اللغوي ، كما أن البغداديين والمغاربة ، فكروا في تقويم أسسه ، وتقريبه من مناهج العلوم ، وانتقاء أكثر القواعد انضباطا في تقنينه . وتتبع خطوات النحو من المشرق إلى المغرب يقودنا إلى التطلع إلى بعض الظواهر التي تبرهن أن أمة الإسلام واحدة ، كلما تناءت بها المناحي الجغرافية حرصت على توثيق العرى الدينية والحضارية . وهذه الظواهر تتمثل بعد المد الإسلامي في ارتباط الأمة بأماكنها المقدسة ، ومنابعها الحضارية . وهذا الارتباط حدا بالعلماء في المغرب على العموم بالقيام بالرحلات إلى المشرق ، والرحلات لأداء فريضة الحج ولزيارة المدينة المنورة ، والسّلام على الرسول المصطفى عليه الصلاة والسّلام . كما أنها أيضا رحلات علمية ، يستقي القائمون بها من ينابيع الثقافة الإسلامية ، في كل فنّ من فنون العلوم . وحركة المد في الإسلام لم تسلك وجهة واحدة ، فلقد أدى هذا المد إلى هجرة جماعات وقبائل وعلماء كبار خارج الجزيرة العربية ، بدأت بالصحابة الذين تفرقوا في الأمصار وبثوا فيها العلم ، وكذلك فعل الأئمة ورجال الحكم من بعدهم ، مثل ما عمل الشافعي في مصر وإدريس الأول في المغرب وعبد الرحمن الأموي في الأندلس ، وسنرى أثر رحلة أبي علي القالي إلى الأندلس

--> ( 1 ) ابن النديم : الفهرس ، ص 82 - السيرافي : أخبار النحويين ، ص 64 .