علي الجارم / مصطفى أمين
76
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )
البحث : في كل مثال من الأمثلة السابقة مجاز لغوىّ : أي كلمة استعملت في غير معناها الحقيقي فالمثال الأول من الأمثلة الثلاثة الأولى يشتمل على كلمتي الظلمات والنور ولا يقصد بالأولى إلّا الضلال ، ولا يراد بالثانية إلّا الهدى والإيمان ، والعلاقة المشابهة والقرينة حالية ؛ وبيت المتنبي يحتوى على مجازين هما « البحر » الذي يراد به الرجل الكريم لعلاقة المشابهة ، والقرينة « مشى » و « الأسد » التي براد بها الشجعان لعلاقة المشابهة ، والقرينة « تعانقه » ؛ والبيت الثالث يحتوى على مجاز هو « تصافحت » الذي يراد منه تلاقت ، لعلاقة المشابهة والقرينة « بيض الهند واللمم » . وإذا تأملت كل مجاز سبق رأيت أنه تضمّن تشبيها حذف منه لفظ المشبّه واستعير بدله لفظ المشبّه به ليقوم مقامه بادعاء أنّ المشبه به هو عين المشبّه ، وهذا أبعد مدى في البلاغة ، وأدخل في المبالغة ، ويسمّى هذا المجاز استعارة ، ولما كان المشبّه به مصرّحا به في هذا المجاز سمّى استعارة تصريحية نرجع إذا إلى الأمثلة الثلاثة الأخيرة ؛ ويكفى أن نوضح لك مثالا منها لتقيس عليه ما بعده ، وهو قول الحجاج في التهديد : « إنّى لأرى رءوسا قد أينعت » فإن الذي يفهم منه أن يشبه الرؤوس بالثمرات ، فأصل الكلام إني لأرى رءوسا كالثمرات قد أينعت ، ثم حذف المشبّه به فصار إني لأرى رءوسا قد أينعت ، على تخيّل أن الرؤوس قد تمثلت في صورة ثمار ، ورمز للمشبه به المحذوف بشئ من لوازمه وهو أينعت ، ولما كان المشبه به في هذه الاستعارة محتجبا سميت استعارة مكنية ، ومثل ذلك يقال في « امتطينا الخطوبا » وفي كلمة « المجد » في البيت الأخير .