علي الجارم / مصطفى أمين
53
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )
* * * ( 5 ) وقال أبو الحسن الأنبارىّ « 1 » في مصلوب : مددت يديك نحوهم احتفاء * كمدّهما إليهم بالهبات « 2 » * * * وقال أعرابي في ذم امرأته : وتفتح - لا كانت - فما لو رأيته * توهّمته بابا من النّار يفتح البحث : وصف البحتري ممدوحه في البيت الأول بأنه قريب للمحتاجين ، بعيد المنزلة ، بينه وبين نظرائه في الكرم بون شاسع . ولكن البحتري حينما أحس أنه وصف ممدوحه بوصفين متضادين ، هما القرب والبعد ، أراد أن يبين لك أن ذلك ممكن ، وأن ليس في الأمر تناقض ؛ فشبّه ممدوحه بالبدر الذي هو بعيد في السماء ولكنّ ضوءه قريب جدّا للسائرين بالليل ، وهذا أحد أغراض التشبيه وهو بيان إمكان المشبّه . والنّابغة يشبّه ممدوحه بالشمس ويشبّه غيره من الملوك بالكواكب ، لأن سطوة الممدوح تغضّ من سطوة كل ملك كما تخفى الشمس الكواكب فهو يريد أن يبين حال الممدوح وحال غيره من الملوك ، وبيان الحال من أغراض التشبيه أيضا . وبيت المتنبي يصف عيني الأسد في الظلام بشدة الاحمرار والتوقد حتى إن من يراهما من بعد يظنهما نارا لقوم حلول مقيمين ، فلو لم يعمد المتنبي إلى التشبيه لقال : إنّ عيني الأسد محمرتان ولكنه اضطرّ إلى
--> ( 1 ) هو أبو الحسن الأنباري أحد الشعراء المجيدين عاش في بغداد ، وتوفى سنة 328 ه ، وقد اشتهر بمرثيته التي رثى بها أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب ، وهي من أعظم المراثى ولم يسمع بمثلها في مصلوب ، حتى إن عضد الدولة الذي أمر بصلبه تمنى لو كان هو المصلوب وقيلت فيه . ( 2 ) الاحتفاء : المبالغة في الإكرام ، والهبات : جمع هبة والمقصود بها العطية .