علي الجارم / مصطفى أمين
14
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )
إلى ماء إذا صادف في الجوّ طبقة باردة ولكنه يراها : كأن الغيوم جيوش تسوم * من العدل في كلّ أرض صلاحا « 1 » إذا قاتل المحل فيها الغمام * بصوب الرّهام أجاد الكفاحا « 2 » يقرطس بالطّلّ فيه السّهام * ويشرع بالوبل فيه الرّماحا « 3 » وسلّ عليه سيوف البروق * فأثخن بالضرب فيه الجراحا « 4 » ترى ألسن النور تثنى عليه * فتعجب منهن خرسا فصاحا « 5 » وقد يتظاهر الأديب بإنكار أسباب حقائق العلم ، ويتلمس لها من خياله أسبابا تثبت دعواه الأدبية وتقوّى الغرض الذي ينشده ، فكلف البدر الذي يظهر في وجهه ليس ناشئا عما فيه من جبال وقيعان جافة كما يقول العلماء ، لأن المعرّى « 6 » يرى لذلك سببا آخر فيقول في الرثاء : وما كلفة البدر المنير قديمة * ولكنها في وجهه أثر اللّطم « 7 » ولا بد في هذا الأسلوب من الوضوح والقوة ؛ فقول المتنبي : قفى تغرم الأولى من اللّحظ مهجتي * بثانية والمتلف الشئ غارمه « 8 » غير بليغ ؛ لأنه يريد أنه نظر إليها نظرة أتلفت مهجته ، فيقول لها قفى لأنظرك نظرة أخرى ترد إلىّ مهجتي وتحييها ، فإن فعلت كانت النظرة غرما لما أتلفته النظرة الأولى .
--> ( 1 ) تسوم من العدل في كل أرض صلاحا ، أي تولى كل أرض صلاحا بالخصب والنماء . ( 2 ) المحل : الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ ، والصواب : نزول المطر ، والرهام : جمع رهمة وهي المطر الضعيف الدائم ، والكفاح : القتال والمدافعة . ( 3 ) القرطاس : الغرض أو الهدف ، ويقال قرطس الرامي إذا أصاب القرطاس أي الغرض ، فهو يقول : إن الغمام يسدد السهام إلى المحل فيقضى عليه ، ومعنى يشرع الرماح يسددها ، والوبل : المطر الشديد الضخم القطر . ( 4 ) أثخن بالضرب فيه الجراح : بالغ الجراحة فيه . ( 5 ) النور : الزهر . ( 6 ) المعرى : هو أبو العلاء المعرى اللغوي الفيلسوف الشاعر المشهور ، ولد بالمعرة وهي بلد صغير بالشام ، وعمى من الجدري وهو في الرابعة من عمره ، وتوفى بالمعرة سنة 449 ه ( 7 ) الكلفة : حمرة كدرة تعلو الوجه . ( 8 ) غرم ما أتلفه : لزمه أداؤه ، وتغرم جواب قفى وفاعله الأولى ، ومن اللحظ بيان للأولى ، ومهجتي مفعول تغرم .