علي الجارم / مصطفى أمين

15

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

فانظر كيف عانينا طويلا في شرح هذا الكلام الموجز الذي سبّب ما فيه من حذف وسوء تأليف شدة خفائه وبعده عن الأذهان ، مع أن معناه جميل بديع ، وفكرته مؤيّدة بالدليل . وإذا أردت أن تعرف كيف تظهر القوة في هذا الأسلوب ، فاقرأ قول المتنبي في الرثاء : ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى * رضوى على أيدي الرجال يسير « 1 » ثم اقرأ قول ابن المعتز « 2 » : قد ذهب الناس ومات الكمال * وصاح صرف الدّهر أين الرجال ؟ هذا أبو العبّاس في نعشه * قوموا انظروا كيف تسير الجبال تجد أن الأسلوب الأول هادي مطمئن ، وأن الثاني شديد المرّة عظيم القوة وربما كانت نهاية قوته في قوله ؛ « وصاح صرف الدهر أين الرجال » ثم في قوله : « قوموا انظروا كيف تسير الجبال » . وجملة القول أن هذا الأسلوب يجب أن يكون جميلا رائعا بديع الخيال ، ثم واضحا قويّا . ويظن الناشئون في صناعة الأدب أنه كلما كثر المجاز ، وكثرت التشبيهات والأخيلة في هذا الأسلوب زاد حسنه ، وهذا خطأ بيّن ، فإنه لا يذهب بجمال هذا الأسلوب أكثر من التكلف ، ولا يفسده شرّ من تعمّد الصناعة . ونعتقد أنه لا يعجبك قول الشاعر : فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت * وردا وعضّت على العنّاب بالبرد « 3 » هذا ومن السهل عليك أن تعرف أن الشعر والنثر الفنى هما موطنا

--> ( 1 ) رضوى : اسم جبل بالمدينة ، شبه المرثى به لعظمته وفخامة قدره . ( 2 ) ابن المعتز : هو عبد اللّه بن المعتز العباسي ، أحد الخلفاء العباسيين ، منزلته في الشعر والنثر رفيعة . ويشتهر بتشبيهاته الرائعة ، وهو أول من كتب في البديع ، توفى سنة 296 ه . ( 3 ) العناب : ثمر أحمر تشبه به الأنامل ، والبرد ، حب الغمام وتشبه به الأسنان .