علي الجارم / مصطفى أمين
106
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )
وإذا سمعت قوله في رثاء المتوكل وقد قتل غيلة : صريع تقاضاه اللّيالى حشاشة * يجود بها والموت حمر أظافره « 1 » فهل تستطيع أن تبعد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت ، وهي صورة حيوان مفترس ضرّجت أظافره بدماء قتلاه ؟ لهذا كانت الاستعارة أبلغ من التشبيه البليغ ؛ لأنه وإن بنى على ادعاء أن المشبه والمشبه به سواء لا يزال فيه التشبيه منويّا ملحوظا بخلاف الاستعارة فالتشبيه فيها منسىّ مجحود ؛ ومن ذلك يظهر لك أن الاستعارة المرشحة أبلغ من المطلقة ، وأن المطلقة أبلغ من المجردة . أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار وروعة الخيال ، وما تحدثه من أثر في نفوس سامعيها ، فمجال فسيح للإبداع ، وميدان لتسابق المجيدين من فرسان الكلام . انظر إلى قوله عزّ شأنه في وصف النار : « تكاد تميّز من الغيظ كلّما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير « 2 » » ؟ ترتسم أمامك النار في صورة مخلوق ضخم بطّاش مكفهرّ الوجه عابس يغلى صدره حقدا وغيظا . ثم انظر إلى قول أبى العتاهية في تهنئة المهدى بالخلافة : أتته الخلافة منقادة * إليه تجرّر أذيالها تجد أنّ الخلافة غادة هيفاء مدلّلة ملول فتن الناس بها جميعا ، وهي تأبى عليهم وتصدّ إعراضا ، ولكنها تأتى للمهدى طائعة في دلال وجمال تجرّ أذيالها تيها وخفرا .
--> ( 1 ) الصريع : المطروح على الأرض ، وتقاضاه أصله تتقاضاه حذفت إحدى التاءين ؛ وهو من قولهم تقاضى الدائن دينه إذا قبضه ، والحشاشة : بقية الروح في المريض والجريح ؛ يصفه بأنه ملقى على الأرض يلفظ النفس الأخير من حياته . ( 2 ) تتميز غيظا : تتقطع غضبا على الكفرة ، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم ، والفوج : الجماعة ، والاستفهام في قوله تعالى : « أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ » ؟ للتوبيخ .