علي الجارم / مصطفى أمين

107

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

هذه صورة لا شك رائعة أبدع أبو العتاهية تصويرها ، وستبقى حلوة في الأسماع حبيبة إلى النفوس ما بقي الزمان . ثم اسمع قول البارودي : إذا استلّ منّا سيّد غرب سيفه * تفزّعت الأفلاك والتفت الدّهر « 1 » وخبرني عما تحسّ وعما ينتابك من هول مما تسمع . وقل لنا كيف خطرت في نفسك صورة الأجرام السماوية العظيمة حيّة حساسة ترتعد فزعا ووهلا ، وكيف تصورت الدهر وهو يلتفت دهشا وذهولا ؟ ثم اسمع قوله في منفاه وهو نهب اليأس والأمل : أسمع في نفسي دبيب المنى * وألمح الشّبهة في خاطري تجد أنه رسم لك صورة للأمل يتمشى في النفس تمشيا محسّا يسمعه بأذنه . وأن الظنون والهواجس صار لها جسم يراه بعينه ؛ هل رأيت إبداعا فوق هذا في تصويره الشك والأمل يتجاذبان ؟ وهل رأيت ما كان للاستعارة البارعة من الأثر في هذا الإبداع ؟ ثم انظر قول الشريف الرضى في الوداع : نسرق الدّمع في الجيوب حياء * وبنا ما بنا من الأشواق هو يسرق الدمع حتى لا يوصم بالضعف والخور ساعة الوداع ، وقد كان يستطيع أن يقول : « نستر الدمع في الجيوب حياء » ؛ ولكنه يريد أن يسمو إلى نهاية المرتقى في سحر البيان ، فإن الكلمة « نسرق » ترسم في خيالك صورة لشدة خوفه أن يظهر فيه أثر للضعف ، ولمهارته وسرعته في إخفاء الدمع عن عيون الرقباء . ولولا ضيق نطاق هذا الكتاب لعرضنا عليك كثيرا من صور الاستعارة البديعة ، ولكنا نعتقد أن ما قدمناه فيه كفاية وغناء .

--> ( 1 ) غرب السيف : حده ، وتفزعت : ذعرت أي أصابها الذعر وهو الخوف .