يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
686
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
الحروف : الميم ، والراء ، والفاء ، والشين . وإنما امتنعت من أن تدغم لأن لكل واحد منها ضربا من الفضل على غيره . فكرهوا إذهاب ذلك الفضل بإدغامه في غيره ، فمن ذلك قولك : أكرم به . ولا تدغم الميم في الباء لأنهم يقلبون النون ميما في نحو العنبر ، وقد تقدمت العلة في ذلك . فلما وقع مع الباء الحرف الذي يفرون إليه من النون ، لم يغيروه ، وأيضا فإن النون الساكنة بعيدة من الباء في المخرج ، ومباينة لها في الاشتراك في الغنة ، ولم تدغم الميم - المنقلبة من النون - في الباء فكانت الميم الأصلية أولى أن لا تدغم في الباء . قال : " وأما الفاء فلا تدغم . . . لأنها من باطن الشّفة " . يريد أن حروف الفم أقوى من حروف الشفتين وحروف الحلق . لأن معظم الحروف في الفم للسان ، وهو وسط مواضع النطق . والحلق والشفتان طرفان فصارت الفاء لذلك أقوى من الباء ؛ لأنها من باطن الشفتين وهي من الفم ، والباء من الطرف . قال : والراء لا تدغم في اللام ولا في النون ؛ لأن الراء مكررة وهي تتفشى ، إذا كان معها غيرها . فلهذه الفضيلة لم يجز إدغامها في النون واللام ، لئلا تذهب تلك الفضيلة ولذلك لا يختار إدغام الطاء في التاء ؛ لأن الطاء مطبقة ، فيكره ذهاب إطباقها بإدغامها في التاء . وكذلك الشين لا تدغم في الجيم ؛ لأن فيها استطالة وتفشيا ، فلم يدغموها لئلا يذهب ذلك منها . قال : ومما أدغمت العرب الهاء فيه في الحاء قول الراجز : * كأنّها بعد كلال الزّاجر * ومسحي مرّ عقاب كاسر " 1 " يريد : " ومسحه " . يصف ناقة ، يقول : كأن مرّها - بعد طول السير وكلال الحادي بها الزاجر لها ، ومسحه الأرض أي : ذرعه بالمشي وقطعه لها - مرّ عقاب كاسر ، وهي التي كسرت جناحيها للانقضاض ، أي : تضم منهما وتقبضهما . قال الأخفش : لا يجوز الإدغام في : ومسحه ، ولكن الإخفاء جائز . وقال غيره : أما إدغام الهاء في الحاء إذا كانت قبلها بأن تقلبها حاء فصحيح ، وأما الاستشهاد بهذا الشعر فسهو وغلط ؛ لأن الإدغام لا يصح في البيت من أجل اجتماع
--> ( 1 ) الكتاب وشرح الأعلم 2 / 413 ، شرح عيون كتاب سيبويه 318 .