يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

412

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

في موضع حقّا ، فلا تدخل عليهما " في " كدخولها على " حقّا " ، لأنهما في الأصل فاعلان . والوجه الآخر : أن يكون " شد " وعز فعلين ماضيين " كنعم " و " بئس " ووقوع " ما " بعدهما كوقوعها بعد " نعم " و " بئس " في قولك : نعما صنيعك وبئسما عملك . وتقديره : " نعم الصنيع صنيعك " ، و " بئس العمل عملك " . وقوله : " كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز اللّه عنه " دخلت الفاء على " تجاوز " لأنه دعاء ، ودخولها عليه كدخولها في فعل الأمر إذا تقدم المفعول ، كقولك : " زيدا فاضرب " ، وإن شئت أسقطت الفاء ، و " ما " عند سيبويه : لغو ، ولا يجوز إسقاطها وإن كانت لغوا ؛ لأنهم أرادوا بزيادتها : الفرق بين مشتبهين ، فإذا أدخلوا " ما " على حرف التشبيه ، أرادوا : أن أحد الشيئين وجوده حق كما أن وجود الآخر حق ، وإن كان الشيئان في أنفسهما مختلفين ، كقولك : " زيد عندنا كما أن عمرا عندك " ، أي : هذا موجود صحيح كما أن هذا موجود صحيح . وإن أردت تشبيه أحدهما بالآخر ، قلت : " زيد عندنا كأن عمرا عندنا " ، أي مشتبهان في كونهما عندنا ، وإن لم ترد أن هذا حق كما أن هذا حق . وكان المبرد يجيز أن تكون " ما " مع كاف التشبيه لغوا ، وأن تكون مبنية معها . وقد بين سيبويه الدلالة على أن " ما " لغو دون أن تبنى مع الكاف ولم يقم دليل على غير ذلك . ومما احتج به على أنها لغو ، أن الشاعر إذا اضطر أسقطها ، وأنشد للنابغة الجعدي : * قروم تسامى عند باب دفاعه * كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا " 1 " التقدير عنده : كما أنه يؤخذ ، فحذف " ما " وخفف " أن " وقد نسب سيبويه في هذا التقدير إلى السهو ؛ لأنه لم يشبه جملة بجملة لأن قوله : " دفاعه " اسم واحد وليس بجملة . وقوله : " كأن يؤخذ " ليس من الأسماء الواضحة الوجود ، فشبه به تحقيق وجود شيء آخر ، وإنما يصف النابغة خصومة جرت بين رجل من عشيرته يناظر عنها ، وبين خصوم له من قبائل أخر ، بحضرة ملك ، وأن ذلك الملك كان ميله على عشيرته ، وأن المناظر عنهم ثبت لهم في المناظرة ومعنى قوله " دفاعه " : أي : دفاع الباب هو رده وحجبه لمن يريد الدخول وطرده ، وهو مثل القتل في شدته ، لأنه إذلال للمطرود والمحجوب . وقال المازني : " أنا لا أنشده إلا : ( كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا ) لأنها " أن " التي تنصب الأفعال ، دخلت عليها كاف التشبيه " .

--> ( 1 ) ديوانه 131 ، الكتاب وشرح الأعلم 1 / 470 ، شرح السيرافي 4 / 550 ، شرح ابن السيرافي 2 / 158 المسائل البغداديات 334 .