يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

368

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

يقال : " سرت غير مرة حتى أدخلها " ، وهذا يعرفونه ، لأنه يحسن في القلب ، ومعناه معنى : " ربما سرت " و " طال ما سرت " ، فأبطل احتجاجهم في النصب إذا تعلقوا بغير القلب . وقوله : ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في قد . يريد أن نصب العرب لما ينصبونه من : ربما سرت حتى أدخلها ، وكنت سرت أدخلها ، وغير ذلك ، لم يكن من أجل قبح القلب ، ولكن لأن كل ما يرفع بعد " حتى " يجوز فيه النصب على الغاية ؛ لأن ما بينهما متقارب في المعنى ، لأن " السير " ينقطع عند " الدخول " رفعت أو نصبت ؛ لأنهم ذهبوا به مذهب الغاية . ويجوز في الرفع كما جاز بعد : " قد سرت " ، والنصب أيضا عنده جائز . وقوله : " أن أسير " بمعنى " سرت إذا أردت " بأسير " معنى " سرت " . اعلم أن هذا إنما يستعمل إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقا وطبعا ، وينكر منه في المضي والاستقبال . ولا يكون لفعل فعله مرة من الدهر ، من ذلك ما أنشد لبعض السلوليين : * ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمة قلت : لا يعنيني " 1 " يريد : " ولقد مررت " ، ولم يرد أن ذلك كان منه مرة وأنه لا يعود إليه ، وإنما أراد أن ذلك كان منه سجية أبدا يصف في البيت أنه يكرم نفسه عن معارضة من سبه من اللئام برد الجواب عليه ، لأن ذلك مما يغض منه . ومثل هذا قول حاتم : * وأعرض عن شتم اللئيم تكرما وقوله : فمضيت ثمة قلت : لا يعنيني أي : أنزلته منزلة من لم يعنيني بالسب فلم أجبه . وقال الأخفش : ما سرت حتى أدخلها ، معنى الرفع فيه صحيح إلا أن العرب لم ترفع غير الواجب في باب " حتى " ، ألا ترى أنك لو قلت : " ما سرت فأدخلها " ، كان حسنا . وغلط الأخفش ، وذلك أن الدخول في " حتى " إذا رفع إنما يقع بالسير ، فإذا نفى السير لم يكن دخول . وكأن الأخفش أراد أن " ما " تدخل على قولك : سرت حتى أدخلها بعد وجوب الرفع فتنفي جملة الكلام ، فلذلك رآه صحيحا في القياس ، وإن كانت العرب لا تتكلم به . هذا باب ما يكون العمل فيه من اثنين وذلك قولك : " سرت حتى يدخلها زيد " وكذلك : " سرت حتى يدخلها ثقلي " .

--> ( 1 ) الأصمعيات 137 ، الكتاب وشرح الأعلم 1 / 416 ، الكامل 3 / 80 ، شرح السيرافي ( 4 / 329 ، 334 ) ، الخصائص 3 / 330 ، دلائل الإعجاز 206 .