يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

369

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

قد تقدم أن رفع الفعل بعد حتى بإيجاب ما قبله له وتأديته إليه ، فإذا قلت : ( سرت حتى أدخلها ) جاز أن يدخلها أيضا من يتبعك ومن يسير بسيرك من أجير وصاحب وثقل ونحو ذلك ؛ لأنك تؤدي بسيرك إلى دخولهم إذا ساروا معك كما تؤدي به إلى دخولك . ومنع سيبويه جواز : " سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس " . أما امتناع الرفع : فلأن السير لا يؤدي إلى الطلوع ، وأما امتناع النصب : فلأن " حتى " التي ترفع ما بعدها ليست هي التي تنصب الفعل ، فبطل إضمارها ، فإن أردت النصب ذكرت " حتى " قبل " تطلع " فجاز . وأنشد لامرئ القيس : * سريت بهم حتى تكلّ مطيّهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان " 1 " فنصب " تكل " ولو رفع لجاز ، ولكنه نصب ليريك جواز عطف " حتى " على " حتى " وهما مختلفان في النصب والرفع لأن الأولى : نصبت " تكل " ، والثانية : بعدها مبتدأ وخبر ، ولو وقع موقع المبتدأ فعل لكان مرفوعا . يصف أنه أطال السير بهم حتى كلت إبلهم وانقطعت خيلهم حتى لم تحتج إلى أن تقاد بأرسان . ومثل هذا قول زهير : حتى يؤوب بها عوجا معطلة " 2 " أي : قد عطلت من الأرسان وغيرها . هذا باب الفاء اعلم أن " الفاء " في الأصل في جميع أماكنها عاطفة ، وإن اختلفت معانيها ، وقد يتناول العامل الشيئين بإعراب واحد على وجهين مختلفين ، كقولك : " لو ترك زيد وعمرو لضربه " ، وكذلك : " لو ترك أخواك لظلم أحدهما الآخر " ، بلفظ " الترك " قد وقع عليهما وهما مختلفان ؛ لأن أحدهما ممنوع ، والآخر ممنوع منه . والعطف " بالفاء " على وجهين : أحدهما : عطف ظاهر ، والآخر : عطف متأول . فالعطف الظاهر : أن تدخل الثاني في إعراب الأول وفي معناه ، ويجوز مكان ذلك : ثم . وأما العطف المتأول المحمول على المعنى : فهو أن يكون ما قبل " الفاء " غير موجب ، ويكون معلقا بما بعد " الفاء " شرطا على وجوه مختلفة أخرت إلى التغيير وإضمار أن لتدل على تلك الوجوه .

--> ( 1 ) ديوانه 165 ، الكتاب وشرح الأعلم 1 / 417 ، معاني القرآن 1 / 133 ، المقتضب 2 / 39 ، شرح النحاس 2 / 272 . ( 2 ) شعر زهير ، صنعة الأعلم 73 .