يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
342
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
أنه فعل عمرا . فإذا قال القائل : ضربتني أو شتمتني ، فالمفعول الصحيح إنما هو الضرب والشتم ، والمتكلم والمخاطب ، كزيد ، في ضربت زيدا وشتمته ، وليس زيد بمفعول صحيح على ما بيناه ولم يبطل ضربتني وشتمتني لفساد معناه واستحالته ، وكيف يستحيل ذلك وأنت إذا قلت : ضربت زيدا ، فإنما أوقعت ضربا بشيء من جسمه ، وكذلك شتمته إنما هو ذكري له بشيء من السوء ، وقد أوقع الضرب بشيء من جسمي على النحو الذي أوقعه بزيد ، وذلك الذكر السيء غير مستحيل أن أذكر نفسي به ، كما ذكرت زيدا ، ولكن العرب لا تتكلم بذلك ، لأن فعل الإنسان على ضربين : أحدهما : فعل يفعله بنفسه لا يعتمد به غيره ، كقولك : قام زيد وقعد ونحوه . ومعنى : فعله بنفسه : أنه أحل القيام والقعود بنفسه ، وأوجده في نفسه دون غيره والآخر : فعل يعتمد به غيره ، فلا بد أيضا في ذلك أن يفعله بنفسه أو يفعل بسببه ، ويعتمد به غيره . فأما ما يفعله بنفسه ، ويعتمد به غيره ، فقولك : شتمت زيدا ومدحت عمرا . والذي يفعل سببه بنفسه ، فقولك : ضربت زيدا ، وقتلت عمرا ، فلما كان سبيل الفعل الذي يعتمد به الإنسان الفاعل غيره . أن لا يكون له مفعول . وجب أن لا تقول : ضربتني وشتمتني ، ولما كان الفعل الذي يعتمد به غيره في مقاصد الناس وعاداتهم قد يعرض فيه أن يعتمد الفاعل نفسه على سبيل ما كان يعتمد غيره ، أتوا بلفظ النفس ، وأضافوه إليه ، فقالوا : ضربت نفسك ، وشبهوه - من جهة اللفظ لا المعنى - بضربت غلامك ، لأن المضاف في الأصل ليس بالمضاف إليه فجعلوا نفشه في حكم اللفظ كأنها غيره . فأما حسبتني وعلمتني أفعل كذا وكذا وما أشبهه من أفعال القلوب مما لا يقتصر على أحد مفعوليه . فإنما جاز ذلك فيها لأن المقصود بهذه الأفعال : المفعول الثاني ، وليس للأول نصيب في المعنى ، لأن الظن والعلم ، إنما يقع في الخبر ، وكان الضمير المتصل أخف في اللفظ من المنفصل ومن النفس ، فاستعملوا الأخف فيه . وقد جاء في فعلين من غير هذا وهما : فقدتني ، وعدمتني وإنما جاز ذلك لأنه محمول على غير ظاهر الكلام وحقيقته ، لأن الفاعل لا بد من أن يكون موجودا ، وإذا عدم نفسه صار عادما معدوما وذلك محال . وإنما جاز هذا لأن الفعل له في الظاهر ، والمعنى لغيره ، لأنه يدعو على نفسه بأن يعدم ، فكأنه قال : عدمني غيري . قال جران العود :