يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
14
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
ويسأل عن " الكلم " فيقال : لم لم يقل : الكلام أو الكلمات ؟ فالجواب : أن " الكلام " مصدر مبهم لا يخص شيئا من شيء ، و " الكلم " جمع كلمة . وإنما أراد أن يبين الاسم والفعل والحرف وهي جمع ، فعبر عنها بأشكل الألفاظ بها . ولم يقل : " الكلمات " ؛ لأن الكلم أخف منها في اللفظ فاكتفى بالأخف عن الأثقل . ووجه ثان : أن " الكلم " اسم ذات الشيء ، و " الكلام " اسم الفعل المتصرف من " الكلم " بمنزلة : الفعل من الافتعال ، واسم ذات الشيء في الرتبة قبل ما صرف منه . فذكر " الكلم " الذي هو الأقدم في الرتبة ، وترك " الكلام " الذي هو فرع . لو ذكره ما كان معيبا ولكنه اختار الأفصح الأجود لمعناه الذي أراده . ويسأل عن قوله : " الكلم من العربية " لم قاله ؟ والكلم أعم من العربية ؛ لأنه يشملها والعجمية ، و " من " للتبعيض ، والذي يتصل بها هو البعض الكثير . الذي يذكر منه البعض القليل ؟ والجواب : أنه ذكر " الكلم " التي هي شاملة عامة ، وهو يريد بها الخصوص ، وذلك معروف في كلامهم ، ثم بين المخصوص المراد خشية اللبس ، فقال : " من العربية " تبيينا لما أراد . ووجه ثان : أنه أراد " بالكلم " الاسم والفعل والحرف ، فعد هذه الجملة - التي هي : اسم وفعل وحرف - بعض العربية . والدليل على ذلك أن ليس من أحاط علما بحقيقة الاسم والفعل والحرف ، أحاط علما بالعربية كلها . ودليل هذا التأويل الثاني قوله : " هذا باب علم " ولم يقل : هذا كتاب علم . وأما إدخال الفاء في الكلم ؛ فلأنها جواب للتنبيه في قوله : " هذا " فكأنه قال : انظر وتنبه ، فالكلم : اسم وفعل وحرف . ووجه ثان : أن الجمل تفيد معنى ، وترجمة الباب مفيدة معنى ما ، وكل جملة يجوز أن تجاب بالفاء كقولك : زيد أبوك فقم إليه . ومما يسأل عنه قوله : " حرف جاء لمعنى " والأسماء والأفعال أيضا جئن لمعان . والجواب : أنه أراد لمعنى في الاسم والفعل ، وإنما تجيء الحروف مؤثرة في غيرها في النفي والإثبات وغير ذلك من المعاني . والأسماء والأفعال معانيها في أنفسها قائمة صحيحة ، الدليل على ذلك أنه إذا قيل : ما الإنسان ؟ كان الجواب : الحي الناطق الكاتب . وإذا قيل : ما معنى " قام " ؟ قيل : وقوع قيام في زمان ماض ، فعقل معناه في نفسه دون أن يتجاوز به إلى غيره ، وليس كذلك الحرف ؛ لأنه يعقل معناه بغيره .