يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
120
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
[ القصد ] من البدل . قوله بعد أن ذكر البدل فهذا يجيء على وجهين إلى قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ الحجر 30 ] هذا أحد الوجهين ، والمعنى في ذلك أنه حين قال : رأيت قومك كان غرضه : رأيت ثلثي قومك ، فعبر باللفظ العام ، وهو يريد البعض كما تقول : ضج أهل بغداد ، وعسى أن لا يكون ضج منهم إلا نفر . فإذا أراد ذلك ثم أتى بالبعض فكرره بلفظ آخر فقد أكد ، كما أكد في قوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ الحجر : 30 ] . وكذلك قول الشاعر : * وذكرت تقتد برد مائها * وعتك البول على أنسائها " 1 " فذكر تقتد وهو يريد برد مائها ، ثم أبدل منها ، وهذا من بدل الاشتمال وأنشده سيبويه للتأكيد الذي ذكره في البدل . وعتك البول : يعني قدمه وصفرته ، يقال : قوس عاتكة ، والمعنى أن هذه الناقة ذكرت برد ماء هذا الموضع ، وهذا حالها لطول السفر . ويروى " وعبك البول " وهو تلبده وتراكبه عليها . والقول الآخر من الوجهين هو أن يتكلم فيقول : رأيت قومك وقصده إلى جميعهم ، ثم بدا له في ذلك وامتنع أن يخبر عن جميعهم فعدل إلى الإخبار عن البعض فهذا لم يكن في أول كلامه قاصدا إلى ذكر البدل ، ثم بدا له ذلك بعد أن مضى صدر كلامه على الوجه الذي لفظ به والذي قبل هذا لم يبدله بشيء لم يرد أن يتكمل به من بعد . قوله بعد أن ذكر البدل : لأنك حملت النعت على المرور فجعلته حالا . يعني لأنك جعلت مرفوعا ومطروحا في قولك : مررت بمتاعك بعضه مرفوعا وبعضه مطروحا ، فجعلته محمولا على المرور إذ كان العامل فيه ، وسمي مرفوعا ومطروحا نعتا لأنه يسمى نعتا كل ما فيه تمييز شيء من شيء لو لم يكن ذلك النعت لجاز وقوعه ، يعني ذلك الشيء عليه وعلى غيره . وإذا قلت : مررت بمتاعك ، صلح أن يكون مرفوعا ، وصلح أن لا يكون مرفوعا فصار مرة مرفوعا نعتا له من طريق التمييز بين أحواله التي تتوهم وعلى ذلك سمي ضربت الناس بعضهم قائما وبعضهم قاعدا من نعت الفعل ، لأنك إذا قلت ضربت الناس جاز أن يكون مستوعبا
--> ( 1 ) شرح الأعلم 1 / 75 ، شرح النحاس 48 - 99 ، شرح السيرافي 2 / 727 ، فرحة الأديب 71 - 72 .