علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم )
72
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني
[ قلت ] : جاءت ( إنّ ) و ( ثمّ ) على الأصل من البناء ، لأن أصل الحروف ، البناء . وحرك لالتقاء الساكنين . ولم يقل : ( أن ) و ( ثم ) لأن الكسرة مع الكسرة . والضمة مع الكسرة ثقيلان ، والفتح أولى منهما . [ قال أبو الفتح ] : والكسر يكون في الاسم ، نحو : هؤلاء ، وأمس . [ قلت ] : إنما بني ( أمس ) لتضمنه معنى ( لام التعريف ) وذلك أن ( أمس ) معرفة ، وليس فيه حرف التعريف ، ولا هو مبهم ، ولا مضمر ، ولا إشارة ، ولا مضاف ، ولا علم ، فتضمن ( اللام ) فوجب له البناء ، وحرك لالتقاء الساكنين ، وكسر لأن الكسر أصل في هذا الباب بعد السكون . [ فإن قلت ] : فما تقول في ( الأمس ) إذا دخلت عليه لام التعريف أهو مبني أم معرب ؟ ، [ الجواب ] : العرب في هذا على مذهبين : الإعراب ، والبناء . أما الإعراب ، فلأنه اسم ، وليس متضمنا لمعنى حرف . وأما البناء ، فإن هذا اللام الذي ظهر فيه ، لم يفد شيئا ، حين كان الاسم متضمنا له . ألا ترى أنه لا فرق بين قول القائل : أمس ، والأمس كما هو حاصل في قوله : رجل ، والرجل . ألا ترى أن ( أمس ) معرفة ، كما أن ( الأمس ) معرفة . فالألف ، واللام في الأمس على هذا ، كالألف ، واللام في : الذي والآن ، والوليد بن اليزيد « 1 » ، وبنات الأوبر ، في [ 8 / أ ] قول الشاعر : 6 - ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا * ولقد نهيتك عن بنات الأوبر « 2 » [ فإن قلت ] : ولم كان الكسر الأصل بعد السكون ؟ [ قلت ] : إن الكسر أقل تصرفا من الضم والفتح . ألا ترى أن : باب ما لا ينصرف ، وباب الأفعال ، قد منعا من الكسر ، فكان هو الأولى بعد السكون ، لقلة تصرفه . وأما ( هؤلاء ) فإن الكلام فيه أنه مبني . وقال أبو سعيد « 3 » : إنما بني ، لأنه تضمن معنى الإشارة « 4 » ، والإشارة معنى يستفاد من الحروف ، لأن الحروف هي الموضوعة لمثل هذه المعاني . فهو اسم تضمن معنى الحرف ، فيجب له البناء . ولو قيل له : إن الذي زعمت ، إنما يتصور
--> ( 1 ) الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، ولد ( 88 ه ) . ولي الخلافة الأموية ( 125 ه ) ، وقتل سنة ( 126 ه ) . ينظر : تاريخ الطبري 6 : 434 ، 7 : 209 ، والعقد الفريد 4 : 452 . ( 2 ) البيت من الكامل . أنشده ابن منظور في اللسان ( وب ر ) 5 : 271 ، وأسند روايته للأحمر ، والأصمعي ، ولم ينسبه إلى قائل معين . وهو بلا نسبة في : الإنصاف 1 : 319 ، والمغني 1 : 52 ، وأوضح المسالك 293 ، وابن عقيل 1 : 181 . جنيتك أي : جنيت لك ، على حد قوله تعالى : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ 83 : سورة المطففين 3 ، أي : كالوا لهم أو وزنوا لهم ، والأكمؤ ، والعساقل : ضربان من الكمأة . وبنات الأوبر : علم على ضرب آخر من الكمأة ، اللسان ( وب ر ) 5 : 271 . ( 3 ) هو : الحسن بن عبد اللّه ، السيرافي ، النحوي ( ت 368 ه ) . قرأ على ابن مجاهد ( القرآن ) ، وقرأ على أبي بكر بن دريد ( اللغة ، والنحو ) ، وقرأ على أبي بكر بن السراج ، وأبي بكر مبرمان ( النحو ) . من أشهر تصانيفه : ( شرح كتاب سيبويه ) . كان عالما فاضلا ، معدوم النظير في علم النحو خاصة . ينظر : طبقات النحويين واللغويين 119 ، ونزهة الألباء 327 - 329 ، والبلغة 61 . ( 4 ) الكتاب : 792 ، وفيه : ( هؤلاء بمنزلة هذا ، وأولئك بمنزلة ذاك ) .