علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم )

108

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني

فإن قلت : فلم كان هذا المعنى موجبا عملا ، وحق العامل أن يكون ملفوظا به ، وهذا غير ملفوظ به ؟ ! . قلت : إن العوامل على ضربين : لفظي ، ومعنوي . وهذا من جملة المعنوي . وجاز أن يكون هذا المعنى عاملا ، لأنه معنى يختص بالأسماء ، فكما أن العامل اللفظي ، إذا اختص بالاسم أو الفعل [ 24 / ب ] عمل فيه ، فكذا المعنى إذا اختص بأحدهما ، عمل فيه . فنظير هذا المعنى في المستقبل ، وقوعه موقع الاسم . ألا ترى أنه عامل معنوي ويجيء على مذهب أبي الحسن عامل معنوي غير ذينك ، وهو كون التابع جاريا على متبوعه ، نحو : مررت بزيد الظريف ، ينجر ظريف عنده ، لكونه تابعا للمجرور « 1 » . فإن قلت : فهذا المعنى الذي ادعيتموه ، ليس مخصوصا بالاسم ، بل هو موجود في الفعل أيضا ، فلم عمل فيه ، وكل عامل يشمل القبيلين ، لم يعمل في واحد منهما ، وذلك قولهم : ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) « 2 » فقولك : تسمع ، معرى من العوامل اللفظية ، مجعول للخبر عنه ، وهو قولك : خير من أن تراه فهو كقولك : زيد منطلق ؟ ! . قلت : إن قولهم : تسمع بالمعيدي ، لم يوجد فيه إحدى الشرائط ، وذلك ، لأنه وإن كان معرى من العوامل اللفظية ، فهو غير معرّض لها . ألا ترى ، أنك ، لو قلت : إنّ تسمع ، أو كان تسمع ، أو ظن تسمع ، لم يجز . على أنّ قولهم : تسمع بالمعيدي في تقدير أن تسمع بالمعيدي ، فحذفت أن ، وهي مرادة . وأن وما بعده في تقدير المصدر . وتقديره : سماعك بالمعيدي خير من أن تراه . فلما حذفت ( أن ) ارتفع الفعل على ما كان في الأصل . وحذف ( أن ) في الكلام سائغ حسن . قال عز من قائل : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) « 3 » . أي : تأمروني أن أعبد غير اللّه . فحذف أن . وقال اللّه تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا « 4 » . فيمن قرأ بالياء « 5 » . أي : أن

--> ( 1 ) الإنصاف ( مسألة 5 ) 1 : 47 . ( 2 ) مثل من أمثال العرب ، وفيه روايتان أخريان هما : لأن تسمع ، وأن تسمع ، والمختار : أن تسمع . وروي : تسمع بالمعيدي لا أن تراه . ويضرب لمن خبره خير من مرآه . البرصان - للجاحظ 83 ، والزاهر 2 : 47 ، ومجمع الأمثال 1 : 129 ، رقم 655 ، واللسان ( م ع د ) 3 : 406 . ( 3 ) 39 : سورة الزمر 64 . ( 4 ) 8 : سورة الأنفال 59 . ( 5 ) وهي ، قراءة : ابن عامر ، وحمزة ، وحفص . السبعة 307 ، وحجة القراءات 312 . وإنما اشترط الشارح القراءة بالياء ، لأنها تستدعي حذف ( أن ) ، لأن ( الذين كفروا ) هو الفاعل ، ويبقى الفعل ( حسب ) يطلب مفعوليه ، فأين هما ؟ لذا فالكلام ينبسط على أحد أوجه ثلاثة : الأول : أن يكون النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - هو : الفاعل ، فيكون تقدير الكلام : ولا يحسبن النبي ، الذين كفروا سبقوا . فالذين ، وما بعده سد مسد مفعولي حسب . الثاني : أن يكون على تقدير حذف ( أن ) . كأنه قال : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، أي : أنهم سبقوا . فجملة أن سبقوا سدت مسد مفعولي حسب . فهو مثل : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا 29 : سورة العنكبوت 2 . الثالث : أن يكون قد أضمر المفعول الأول . والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا . -