جلال الدين السيوطي
62
الاقتراح في علم اصول النحو
قال : قال لي ابن عون عن ابن سيرين قال : قال عمر بن الخطاب : كان الشعر علم قوم ، ولم يكن لهم علم أصح منه ، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد ، وغزو فارس والروم ، ولهت عن الشعر وروايته ، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح ، واطمأنت العرب في الأمصار ، راجعوا رواية الشعر ، فلم يؤولوا إلى ديوان مدوّن ، ولا كتاب مكتوب ، وألفوا ذلك ، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل ، فحفظوا قل ذلك ، وذهب عنهم كثره . ثم روى بسنده عن أبي عمرو بن العلاء قال : ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا قلة ، ولو جاءكم وافر لجاءكم علم وشعر كثير . وعن حماد الراوية قال : أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في الطنوج « 1 » ، وهي الكراريس ، ثم دفنها في قصره الأبيض ، فلما كان المختار بن أبي عبيد قيل له : إن تحت القصر كنزا ، فاحتفره ، فلما فتحه أخرج تلك الأشعار ، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة . قال ابن جنى « 2 » : فإذا كان كذلك لم يقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ « 3 » ، ما دام القياس يعضده ، فإن لم يعضده كرفع المفعول والمضاف إليه ، وجر الفاعل أو نصبه ، فينبغي أن يرد لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع
--> ( 1 ) الطنوج : الكراريس ، ولا واحد لها من لفظها ، ولقد أورد ابن منظور هذه القصة عن ابن جنى وعبارته « في الطنوج يعنى الكراريس ثم دفنها » إلخ . وعبارة الخصائص « في الطنوج وهي الكراريس » الخ ج 1 ص 387 . ( 2 ) بتصرف عن الخصائص ج 1 ص 387 . ( 3 ) في الأصل : بالخطأ .