أبو البركات بن الأنباري

372

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

فأكّد « يوما » بأجمع ؛ فدلّ على جوازه . وأما القياس فلأن اليوم مؤقت يجوز أن يقعد في بعضه ، والليلة مؤقتة يجوز أن يقوم في بعضها ، فإذا قلت « قعدت يوما كلّه ، وقمت ليلة كلّها » صح معنى التوكيد ؛ فدلّ على صحة ما ذهبنا إليه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أن تأكيد النكرة غير جائز من وجهين : أحدهما : أن النكرة شائعة ليس لها عين ثابتة كالمعرفة ؛ فينبغي أن لا تفتقر إلى تأكيد ؛ لأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه ، وأما قولهم « رأيت درهما كلّ درهم » وما أشبه ذلك فهو محمول على الوصف لا على التأكيد . والوجه الثاني : أن النكرة تدل على الشياع والعموم ، والتوكيد يدل على التخصيص والتعيين ، وكل واحد منهما ضدّ صاحبه ؛ فلا يصلح أن يكون مؤكدا له ، ولو جوزنا ذلك لكنا قد صيرنا الشائع مخصصا ، وهذا ليس بتأكيد ، بل هو ضد ما وضع له ؛ لأن التأكيد تقرير ، وهذا تغيير ، ولهذا المعنى امتنع أن يجوز وصف النكرة بالمعرفة أو المعرفة بالنكرة ؛ لأن كل واحد منهما ضد صاحبه ؛ لأن النكرة شائعة ، والمعرفة مخصوصة ، والصفة في المعنى هي الموصوف ، ويستحيل أن يكون الشيء الواحد شائعا مخصوصا في حال واحدة ؛ فكذلك هاهنا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما ما استشهدوا به من الأبيات فلا [ 188 ] حجة فيه : أما قول الشاعر : * يا ليت عدّة حول كلّه رجب * [ 284 ] فنقول الرواية الصحيحة : * يا ليت عدّة حولي كلّه رجب * [ 284 ] بالإضافة ، وهو معرفة لا نكرة ، وأما قول الآخر : * يوما جديدا كله مطردا * [ 285 ]