أبو البركات بن الأنباري
67
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
والوجه الرابع : أنهم قالوا « حبّذا » فركبوا حبّ وهو فعل مع ذا وهو اسم ؛ فصارا بمنزلة شيء واحد ، وحكم على موضعه بالرفع على الابتداء . والوجه الخامس : أنهم قالوا في النسب إلى كنت « كنتيّ » فأثبتوا التاء « 1 » ولو لم يتنزل ضمير الفاعل منزلة حرف من نفس الفعل وإلا لما جاز إثباتها . والوجه السادس : أنهم قالوا « زيد ظننت منطلق » فألغوا ظننت ، ولولا أن الجملة من الفعل [ 41 ] والفاعل بمنزلة المفرد وإلا لما جاز إلغاؤها ؛ لأن العمل إنما يكون للمفردات لا للجمل . والوجه السابع : أنهم قالوا للواحد « قفا » على التثنية ؛ لأن المعنى قف قف ، قال اللّه تعالى : أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ ق : 24 ] فثنى وإن كان الخطاب لملك واحد وهو مالك خازن النار ؛ لأن المعنى : ألق ألق ، والتثنية إنما تكون للأسماء لا للأفعال ؛ فدل على أن الفاعل مع الفعل بمنزلة الشيء الواحد . وإذا كان الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد ، وكان المفعول لا يقع إلا بعدهما ؛ دلّ على أنه منصوب بهما ، وصار هذا كما قلتم في الابتداء والمبتدأ إنهما يعملان في الخبر ؛ لأنه لا يقع إلا بعدهما . والذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون الناصب للمفعول هو الفعل وحده أنه لو كان هو الناصب للمفعول لكان يجب أن يليه ، ولا يجوز أن يفصل بينه وبينه ؛ فلما جاز الفصل بينهما دل على أنه ليس هو العامل فيه وحده ، وإنما العامل فيه الفعل والفاعل . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن الناصب للمفعول هو الفعل دون الفاعل وذلك لأنا أجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل ، أما الفاعل فلا تأثير له في العمل ؛ لأنه اسم ، والأصل في الأسماء أن لا تعمل ، وهو باق على أصله في الاسمية ؛ فوجب أن لا يكون له تأثير في العمل ، وإضافة ما لا تأثير له في العمل إلى ما له تأثير ينبغي أن يكون لا تأثير له . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن الناصب للمفعول الفعل والفاعل لأنه لا يكون إلا بعدهما - إلى آخر ما قرروا » قلنا : هذا لا يدل على أنهما العاملان فيه ؛ لما بيّنا أن الفاعل اسم ، والأصل في الأسماء أن لا تعمل ، وبهذا يبطل قول من ذهب منهم إلى أن الفاعل وحده هو العامل ، والكلام عليه كالكلام على من ذهب من البصريين إلى أن الابتداء والمبتدأ يعملان في الخبر لهذا المعنى ،
--> ( 1 ) مثل ما في قول الشاعر : فأصبحت كنتيا ، وأصبحت عاجنا * وشر خصال المرء كنت وعاجن