أبو البركات بن الأنباري
41
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
زيدا أخوك ، وظننت زيدا أخاك » بطل أن يكون أحدهما عاملا في الآخر . وأما ما استشهدوا به من الآيات فلا حجة لهم [ فيه ] من ثلاثة أوجه : أحدها : أنا لا نسلم أن الفعل بعد أيّاما وأينما مجزوم بأيّاما وأينما ، وإنما هو مجزوم بأن ، وأيّاما وأينما نابا عن إن لفظا ، وإن لم يعملا شيئا . والوجه الثاني : أنا نسلم أنها نابت عن إن لفظا وعملا ، ولكن جاز أن يعمل كل واحد منهما في صاحبه لاختلاف عملهما ، ولم يعملا من وجه واحد ؛ فجاز أن يجتمعا ويعمل كل واحد منهما في صاحبه ، بخلاف ما هنا . والوجه الثالث : إنما عمل كل واحد منهما في صاحبه لأنه عامل ؛ فاستحق أن يعمل ، وأما هاهنا فلا خلاف أن المبتدأ والخبر نحو [ 25 ] : « زيد أخوك » اسمان باقيان على أصلهما في الاسمية ، والأصل في الأسماء أن لا تعمل ؛ فبان الفرق بينهما . وأما قولهم « إن الابتداء لا يخلو من أن يكون اسما أو فعلا أو أداة - إلى آخر ما قرروا » قلنا : قد بيّنا أن الابتداء عبارة [ عن التعري ] عن العوامل اللفظية . وقولهم « فإذا كان معنى الابتداء هو التعرّي عن العوامل اللفظية فهو إذا عبارة عن عدم العوامل ، وعدم العوامل لا يكون عاملا » قلنا : قد بيّنا وجه كونه عاملا في دليلنا بما يغني عن الإعادة هاهنا ، على أن هذا يلزمكم في الفعل المضارع ؛ فإنكم تقولون « يرتفع بتعرّيه من العوامل الناصبة والجازمة » ، وإذا جاز لكم أن تجعلوا التعرّي عاملا في الفعل المضارع جاز لنا أيضا أن نجعل التعرّي عاملا في الاسم المبتدأ . وحكي أنه اجتمع أبو عمر الجرميّ وأبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء ، فقال الفراء للجرمي : أخبرني عن قولهم « زيد منطلق » لم رفعوا زيدا « 1 » ؟ فقال له الجرمي : بالابتداء ، قال له الفراء : ما معنى الابتداء ؟ قال : تعريته من العوامل ، قال له الفراء : فأظهره ، قال له الجرمي : هذا معنى لا يظهر ، قال له الفراء : فمثله إذا ، فقال الجرمي : لا يتمثل ، فقال الفراء : ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا يتمثل ! فقال له الجرمي : أخبرني عن قولهم : « زيد ضربته » لم رفعتم « 1 » زيدا ؟ فقال : بالهاء العائدة على زيد ، فقال الجرمي : الهاء اسم فكيف يرفع الاسم ؟ فقال الفراء : نحن لا نبالي من هذا ؛ فإنا نجعل كل واحد من الاسمين إذا قلت « زيد منطلق » رافعا
--> ( 1 ) لعل أصل العبارة « بم رفعوا زيدا ؟ » وكذلك « بم رفعتم زيدا ؟ » .