أبو البركات بن الأنباري
42
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
لصاحبه ، فقال الجرمي : يجوز أن يكون كذلك في « زيد منطلق » لأن كل اسم منهما مرفوع في نفسه فجاز أن يرفع الآخر ، وأما الهاء في « ضربته » ففي محل النصب ، فكيف ترفع الاسم ؟ فقال الفراء : لا نرفعه بالهاء ، وإنما رفعناه بالعائد على زيد ، قال الجرمي : ما معنى العائد ؟ قال الفراء : معنى لا يظهر ، قال الجرمي : أظهره ، قال الفراء ؛ لا يمكن إظهاره ، قال الجرمي : فمثله ، قال : لا يتمثل ، قال الجرمي : لقد وقعت فيما فررت منه . فحكي أنه سئل الفراء بعد ذلك فقيل له : كيف وجدت الجرمي ؟ فقال : وجدته آية ، وسئل الجرمي ، فقيل له : كيف وجدت الفراء ؟ فقال : وجدته شيطانا . وأما قولهم « إنا نجدهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكنات والحروف ولو كان ذلك [ 26 ] موجبا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة » قلنا : أما المنصوبات فإنها لا يتصور أن تكون مبتدأة ؛ لأنها وإن كانت متقدمة في اللفظ إلا أنها متأخرة في التقدير ؛ لأن كل منصوب لا يخلو إما أن يكون مفعولا أو مشبها بالمفعول ، والمفعول لا بد أن يتقدمه عامل لفظا أو تقديرا ، فلا تصح له رتبة الابتداء ، وإذا كانت هذه المنصوبات متقدمة في اللفظ متأخرة التقدير لم يصح أن تكون مبتدأة ؛ لأنه لا اعتبار بالتقديم إذا كان في تقدير التأخير ، وأما المسكنات إذا ابتدىء بها فلا يخلو إما أن تقع مقدّمة في اللفظ دون التقدير أو تقع مقدمة في اللفظ والتقدير : فإن وقعت متقدمة في اللفظ دون التقدير كان حكمها حكم المنصوبات ؛ لأنها في تقدير التأخير . وإن وقعت متقدمة في اللفظ والتقدير فلا تخلو : إما أن تستحق الإعراب في أول وضعها ، أو لا تستحق الإعراب في أول وضعها : فإن كانت تستحق الإعراب في أول وضعها نحو « من ، وكم » وما أشبه ذلك من الأسماء المبنية على السكون فإنا نحكم على موضعها بالرفع بالابتداء ، وإنما لم يظهر في اللفظ لعلة عارضة منعت من ظهوره ، وهي شبه الحرف « 1 » أو تضمّن معنى الحرف . وإن كانت لا تستحق الإعراب في أول وضعها - نحو الأفعال والحروف المبنية على السكون - فإنا لا نحكم على موضعها بالرفع بالابتداء ؛ لأنها لا تستحق شيئا من الإعراب في أول الوضع ، فلم يكن الابتداء موجبا لها الرّفع ؛ لأنه نوع منه . وهذا هو الجواب عن قولهم : « إنهم يبتدئون بالحروف ، فلو كان ذلك موجبا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة » وعدم عمله في محل لا يقبل العمل لا يدل على عدم عمله في محل يقبل العمل ، ألا ترى أن السّيف يقطع في محلّ ولا يقطع في
--> ( 1 ) المراد بشبه الحرف ههنا الشبه الوضعي ، بدليل ذكره الشبه المعنوي بعده .