ابن هشام الأنصاري

88

شرح قطر الندى وبل الصدى

تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا « 1 » في قراءة من قرأ من السبعة بنصب يُرْسِلَ وذلك بإضمار « أن » والتقدير : أو أن يرسل ، وأن والفعل معطوفان على وَحْياً أي وحيا أو إرسالا ، و « وحيا » ليس في تقدير الفعل ، ولو أظهرت « أن » في الكلام لجاز ، وكذا قول الشاعر : « [ 15 ] » - ولبس عباءة وتقرّ عيني * أحبّ إليّ من لبس الشّفوف

--> ( 1 ) من الآية 51 من سورة الشورى . ( [ 15 ] ) - هذا البيت لامرأة اسمها ميسون بنت بحدل ، وكانت امرأة من أهل البادية ، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه ، ونقلها إلى الحاضرة ، فكانت تكثر الحنين إلى أهلها ، ويشتد بها الوجد إلى حالتها الأولى ، والبيت من شواهد سيبويه ( ج 1 ص 426 ) ولم ينسبه ولا نسبه الأعلم في شرح شواهده ، وقد أنشده المؤلف في أوضحه ( 505 ) وفي شذور الذهب ( رقم 156 ) وأنشده الأشموني في نواصب المضارع ، وأنشده ابن عقيل أيضا ( رقم 330 ) . اللغة : « عباءة » هي ضرب من الأكسية معروف « وتقر عيني » كناية عن السرور « الشفوف » بضم الشين - جمع شف - بفتح الشين أو كسرها وهو الثوب الرقيق الناعم الذي يشف عما تحته . المعنى : تقول : إن الذي كنت فيه عند أهلي أشهى إلى نفسي ، وأجلب إلى السرور مما أنا فيه ، مع أن الذي كنت فيه هناك هو المعيشة الخشنة ، فقد كان لباسي عباءة من صوف غليظ ، وما أنا فيه الآن معيشة ذات ترف ورفاهية ، فإنني ألبس الثياب الرقيقة الناعمة . الإعراب : « ولبس » مبتدأ ، مرفوع بالابتداء ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة ، ولبس مضاف ، و « عباءة » مضاف إليه « وتقر » الواو حرف عطف ، مبني على الفتح لا محل له من الإعراب ، تقر : فعل مضارع ، منصوب بأن مضمرة بعد الواو العاطفة ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة « عيني » عين : فاعل تقر ، مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء « أحب » خبر المبتدأ ، مرفوع بالمبتدأ ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة « إلى » جار ومجرور متعلق بأحب « من لبس » جار ومجرور متعلق بأحب أيضا ، ولبس مضاف ، و « الشفوف » مضاف إليه ، مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة . الشاهد فيه : قوله « وتقر » حيث نصب الفعل المضارع ، وهو قوله تقر ، بأن مضمرة بعد واو عاطفة على اسم خالص من التقدير بالفعل ، وهو قوله : لبس ، وهذا الإضمار جائز ، لا واجب ؛ فيجوز أن تقول : ولبس عباءة وأن تقر عيني ، وإذا كان الاسم المعطوف عليه مقدرا بالفعل لم يجز نصب المضارع الواقع بعد الواو ، وإنما يكون الاسم مقدرا بالفعل إذا كان صفة صريحة واقعة صلة لأل . وذلك نحو قولهم : « الطائر فيغضب زيد الذباب » وكما تقول أنت « الحاضر فيحصل لي السرور أبي » فإنه يجب أن ترفع يغضب ويحصل ؛ لأن الاسم السابق عليهما مقدر بالفعل ؛ لأن المعنى : الذي يطير ، والذي يحضر . -