ابن هشام الأنصاري
54
شرح قطر الندى وبل الصدى
وإنما ذكرت هذه الأحرف بساطا وتمهيدا للحكم الذي بعدها ، لا لأعرّف بها الفعل المضارع ؛ لأنّا وجدناها تدخل في أول الفعل الماضي ، نحو « أكرمت زيدا » و « تعلّمت المسألة » و « نرجست الدواء » إذا جعلت فيه نرجسا ، و « يرنأت الشّيب » إذا خضبته باليرنّاء ، وهو الحنّاء ؛ وإنما العمدة في تعريف المضارع دخول « لم » عليه . ولما فرغت من ذكر علامات المضارع شرعت في ذكر حكمه ؛ فذكرت [ أنّ ] له حكمين : حكما باعتبار أوله ، وحكما باعتبار آخره . [ حكم الفعل المضارع ] فأما حكمه باعتبار أوّله فإنه يضمّ تارة ، ويفتح أخرى ، فيضمّ إن كان الماضي أربعة أحرف ، سواء كانت كلها أصولا ، نحو : « دحرج يدحرج » أو كان بعضها أصلا وبعضها زائدا ، نحو : « أكرم يكرم » فإن الهمزة فيه زائدة ؛ لأن أصله كرم ، ويفتح إن كان الماضي أقلّ من الأربعة ، أو أكثر منها ؛ فالأول نحو : « ضرب يضرب » و « ذهب يذهب » و « دخل يدخل » ، والثاني نحو : « انطلق ينطلق » و « استخرج يستخرج » . وأما حكمه باعتبار آخره فإنه تارة يبنى على السكون ، وتارة يبنى على الفتح ، وتارة يعرب ؛ فهذه ثلاث حالات لآخره ، كما أن لآخر الماضي ثلاث حالات ، ولآخر الأمر ثلاث حالات . [ بناؤه على السكون ومواضعه ] فأما بناؤه على السكون فمشروط بأن يتصل به نون الإناث ، نحو : « النّسوة يقمن » ، و وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ « 1 » ، و وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ « 2 » ، ومنه : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ « 3 » ، لأن الواو أصلية ، وهي واو عفا يعفو ، والفعل مبنيّ على السكون لاتصاله بالنون ، والنون فاعل مضمر ، عائد على المطلقات ، ووزنه : يفعلن ، وليس هذا كيعفون في قولك : « الرّجال يعفون » لأن تلك الواو ضمير لجماعة المذكّرين كالواو في قولك : « يقومون » ، وواو الفعل حذفت ، والنون علامة الرفع ، ووزنه : يفعون ، وهذا يقال فيه : « إلّا أن يعفوا » بحذف نونه ، كما تقول : « إلّا أن يقوموا » وسيأتي شرح ذلك كلّه « 4 » .
--> ( 1 ) من الآية 233 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 228 من سورة البقرة . ( 3 ) من الآية 237 من سورة البقرة . ( 4 ) إنما بني الفعل المضارع عند اتصاله بنون الإناث رجوعا إلى الأصل في الأفعال وهو البناء ؛ لأن شبهه بالاسم الذي كان سبب إعرابه قد عارضه ما هو من خصائص الأفعال وهو لحاق هذه النون التي لا تتصل إلا بالفعل ، -