ابن هشام الأنصاري
55
شرح قطر الندى وبل الصدى
[ بناؤه على الفتح ومواضعه ] وأما بناؤه على الفتح فمشروط بأن تباشره نون التوكيد لفظا وتقديرا ، نحو كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ « 1 » ، واحترزت بذكر المباشرة من نحو قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ « 2 » . لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ « 3 » ، فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً « 4 » ؛ فإن الألف في الأول ، والواو في الثاني ، والياء في الثالث ؛ فاصلة بين الفعل والنون ، فهو معرب ، لا مبنيّ « 5 » . وكذلك لو كان الفاصل بينهما مقدّرا كان الفعل أيضا معربا ، وذلك كقوله تعالى : وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ « 6 » ، و لَتَسْمَعُنَّ « 7 » مثله ؛ غير أن نون الرّفع حذفت تخفيفا لتوالي الأمثال ، ثم التقى ساكنان « 8 » أصله قبل دخول الجازم « يصدّوننّك » : فلما دخل الجازم وهو « لا » الناهية - حذفت النون ؛ فالتقى ساكنان : الواو ، والنون ، فحذفت الواو ؛ لاعتلالها ، ووجود دليل يدلّ عليها وهو الضمة ، وقدّر الفعل معربا - وإن كانت النون مباشرة لآخره لفظا - لكونها منفصلة عنه تقديرا ، وقد أشرت إلى ذلك كله ممثّلا « 9 » .
--> - وإنما كان بناؤه مع هذه النون على السكون لأن الأصل في البناء أن يكون على السكون . ثم إذا دخل عليه والحالة هذه عامل نصب نحو « المقصرات في واجباتهن لن يفلحن » فهو مبني على السكون في محل نصب ، وإن اتصل به عامل جزم نحو « إن لم تقمن بواجبكن فلا خير فيكن » فهو مبني على السكون في محل جزم . ( 1 ) من الآية 4 من سورة الهمزة . ( 2 ) من الآية 89 من سورة يونس . ( 3 ) من الآية 186 من سورة آل عمران . ( 4 ) من الآية 26 من سورة مريم . ( 5 ) ذكر قوم أن علة بناء الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد لفظا وتقديرا هي أن الفعل ركب مع النون مثل تركيب خمسة عشر فأخذ حكم هذا المركب ، والصواب أن علة البناء في هذه الحالة قصدهم إلى دفع الإلباس لأنه لو أعرب بالضمة قبل النون لالتبس المسند إلى الواحد المذكر بالمسند إلى الجمع ، ولو جعل الإعراب على نفس النون لكان فيه جعل الإعراب على ما يشبه التنوين وهو مما لا يجوز . ( 6 ) من الآية 87 من سورة القصص . ( 7 ) من الآية 186 من سورة آل عمران . ( 8 ) أي فحذفت واو الجماعة للتخلص من التقاء الساكنين ، وإنما آثروا حذف الواو ولم يحذفوا النون لما ذكره المؤلف ، وهو شيئان ؛ أحدهما : أن الواو حرف معتل ، والمعتل أولى بالحذف من الصحيح ، وثانيهما : أن حذف الواو يبقى معه ما يدل على المحذوف ، وهو الضمة التي من قبلها ، فأما النون فلو أنها حذفت لم يبق في اللفظ ما يدل عليها ، وإذا دار الأمر بين حذف ما يبقى في اللفظ دليل عليه وحذف ما لا يبقى في اللفظ دليل عليه رجحنا حذف ما يبقى في اللفظ دليل عليه . ( 9 ) ههنا شيئان أحب أن أنبهك إليهما ، الأول : أن المؤلف لم يذكر في نون النسوة مثل ما ذكره في نون التوكيد أنها قد تكون مباشرة لفظا وتقديرا فيبنى الفعل ، وقد تفصل من الفعل لفظا وتقديرا فيعرب ؛ وذلك لأنه لا يفصل -