ابن هشام الأنصاري

313

شرح قطر الندى وبل الصدى

[ لاسم التفضيل ثلاثة أحوال ] وله ثلاث حالات : ( 1 ) حالة يكون فيها لازما للإفراد والتذكير ، وذلك في صورتين : إحداهما : أن يكون بعده « من » جارّة للمفضول « 1 » ، كقولك : « زيد أفضل من عمرو ، والزّيدان أفضل من عمرو ، والزّيدون أفضل من عمرو ، وهند أفضل من عمرو ، والهندان أفضل من عمرو ، والهندات أفضل من عمرو » ولا يجوز غير ذلك ، قال اللّه تعالى : قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا « 2 » ، وقال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ « 3 » فأفرد في الآية الأولى مع الاثنين ، وفي الثانية مع الجماعة . الثانية : أن يكون مضافا إلى نكرة ؛ فتقول : زيد أفضل رجل ، والزيدان أفضل رجلين ، والزيدون أفضل رجال ، وهند أفضل امرأة ، والهندان أفضل امرأتين ، والهندات أفضل نسوة .

--> ( 1 ) اتفق النحاة على أن « من » الجارة للمفضول دالة على ابتداء الغاية ارتفاعا أو انحطاطا ، على هذا اتفق سيبويه والمبرد ، إلا أن سيبويه أشار إلى أنها - مع إفادتها لابتداء الغاية - تفيد معنى التبعيض ، وأبطل ابن مالك إفادتها التبعيض ، وله في هذا الإبطال دليلان : الأول : أنه لا يصح حلول لفظ « بعض » محلها ، وقد علمنا أن « من » الدالة على التبعيض هي التي يصح حلول لفظ « بعض » محلها . والثاني : أن المجرور بها قد يكون عاما ، نحو قولك : اللّه أعظم من كل عظيم ، وأكبر من كل كبير ؛ وأبطل ابن مالك أيضا دلالة « من » هذه على الابتداء ، واستدل على ذلك بأنها لو كانت للابتداء لصح وقوع « إلى » بعدها ، كما صح في قولك : « ذهبت من البيت إلى المسجد » ولا يصح وقوع إلى بعد « من » الجارة للمفضول ، ومن أجل ذلك كله ذهب ابن مالك إلى أن « من » الجارة للمفضول دالة على المجاوزة ، فإذا قلت : « زيد أفضل من عمرو » كان المعنى : جاوز زيد عمرا في الفضل . واعلم بعد ذلك أنه لا يجوز أن تتقدم « من » هذه مع مجرورها على أفعل التفضيل ، إلا إذا كان مجرورها اسم استفهام ، نحو قولك : « ممن أنت أفضل » كما أنه لا يجوز أن يفصل بين أفعل التفضيل وبين « من » هذه بأجنبي ، وقد وقع في الشعر العربي الفصل بينهما بلو وشرطها ، كما في قول الحماسي : ولفوك أطيب - لو نذلت لنا - * من ماء موهنة على خمر ( 2 ) من الآية 8 من سورة يوسف . ( 3 ) من الآية 24 من سورة التوبة .