ابن هشام الأنصاري

255

شرح قطر الندى وبل الصدى

فإن الذكرى هي علّة عروّ الهزّة ، وز منهما واحد ، ولكن اختلف الفاعل ؛ ففاعل العروّ هو الهزّة ، وفاعل الذكرى هو المتكلم ؛ لأن المعنى لذكري إياك ؛ فلما اختلف الفاعل خفض باللام ، وعلى هذا جاء قوله تعالى : لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً « 1 » فإنّ لِتَرْكَبُوها بتقدير لأن تركبوها ، وهو علة لخلق الخيل والبغال والحمير ، وجيء به مقرونا باللام لاختلاف الفاعل ؛ لأن فاعل الخلق هو اللّه سبحانه وتعالى ، وفاعل الركوب بنو آدم ، وجئ بقوله جل ثناؤه : وَزِينَةً * منصوبا ؛ لأن فاعل الخلق والتزيين هو اللّه تعالى . « 2 »

--> - من ظهورها التعذر ، والجار والمجرور متعلق بتعرو ، وذكرى مضاف والكاف ضمير المخاطبة مضاف إليه ، مبني على الكسر في محل جر ، والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله « هزة » فاعل تعرو ، مرفوع بالضمة الظاهرة ، والجملة من تعرو وفاعله ومفعوله في محل رفع خبر إن « كما » الكاف حرف جر ، ما : مصدرية « انتفض » فعل ماض « العصفور » فاعل انتفض ، وما المصدرية مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لهزة ، والتقدير : هزة كائنة كانتفاض العصفور « بلله » بلل : فعل ماض ، والهاء ضمير الغائب العائد إلى العصفور مفعول به « القطر » فاعل بلل ، والجملة من هذا الفعل والفاعل والمفعول في محل نصب حال من العصفور على تقدير قد عند جمهور البصريين . الشاهد فيه : قوله « لذكراك » فإن اللام حرف جر دال على التعليل ، والتذكر علة لعرو الهزة ، ووقت التذكر هو وقت عرو الهزة لكن لما كان العامل الذي هو تعروني له فاعل غير فاعل التذكر وجب جر العلة بحرف التعليل ، ولم يجز أن ينصب على أنه مفعول لأجله ؛ لأن من شرط نصبه على ذلك أن يكون فاعله وفاعل عامله واحدا . ( 1 ) من الآية 8 من سورة النحل . ( 2 ) ههنا شيئان نريد أن ننبهك إليهما : الأول : أن المفعول لأجله قد يتقدم وجوده على وجود مضمون عامله نحو قولك « قعدت عن الحرب جبنا » فإن وجود الجبن في نفسك سابق على وجود القعود عن الحرب ، وقد يكون تصور المفعول لأجله سابقا على الفعل العامل فيه ، نحو قولك « ضربت هذا الفتى تأديبا » فإنك تتصور التأديب أولا ، ثم يبعثك ذلك إلى الضرب ، وهكذا في كل مصدر يدل على غرض من الأغراض مع عامل يدل على ما اتخذ وسيلة لتحصيل هذا الغرض ، وقد اعتبر العلماء - حتى الذين اشترطوا الشروط التي ذكرها المؤلف - هذه الأمثلة من المفعول لأجله ؛ فكيف يتأتى هذا مع قولهم : إنه يجب أن يكون وقت الفعل ووقت المفعول لأجله واحدا ؟ الأمر الثاني : أن أبا حيان رحمه اللّه قد استثنى - مما اختلف فيه زمان العلة والمعلول أو اختلف فاعلاهما - ما إذا كان المصدر منسبكا بأن المؤكدة أو بأن المصدرية الناصبة للمضارع كما لو قلت « جئتك أن زيدا يكرمني » أو تقول « جئتك أن يكرمني زيد » فأجاز أن يكون هذا المصدر مفعولا لأجله ، وأن يحذف حرف الجر أيضا ، مع اختلاف الزمان والفاعل وأبو حيان في هذا تابع لابن مالك ، وقد زاد بعض العلماء في هذا صورة المصدر المنسبك بكي المصدرية نحو « جئتك كي يكرمني زيد » .