ابن هشام الأنصاري

212

شرح قطر الندى وبل الصدى

الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ، وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا « 1 » ، وقول الشاعر : « [ 76 ] » - وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن * بأعجلهم ، إذ أجشع القوم أعجل فحذف الفاعل في ذلك كله ، لأنه لم يتعلق غرض بذكره . * * * وحيث حذف فاعل الفعل فإنك تقيم مقامه المفعول به ، وتعطيه أحكامه المذكورة له في بابه ، فتصيّره مرفوعا بعد أن كان منصوبا ، وعمدة بعد أن كان فضلة ، وواجب التأخير

--> ( 1 ) من الآية 11 من سورة المجادلة . ( [ 76 ] ) - هذا البيت من كلام الشنفرى - بفتح الشين وسكون النون وفتح الفاء والراء - الأزدي ، وقد أنشده من المؤلفين ابن عقيل ( رقم 77 ) والأشموني ( رقم 217 ) والمؤلف في أوضحه ( رقم 113 ) وفي مغني اللبيب ( 813 ) . اللغة : « أجشع القوم » أشدهم جشعا ، والجشع - بفتح الجيم والشين - أشد الطمع ، وفعله من باب فرح ، « أعجل » أراد به المتعجل السريع إلى الأكل ، ولم يرد به معنى التفضيل . الإعراب : « إن » حرف شرط جازم يجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه « مدت » مد : فعل ماض ، مبني للمجهول ، فعل الشرط ، مبني على الفتح في محل جزم ، والتاء علامة التأنيث « الأيدي » نائب فاعل لمد مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل « إلى الزاد » جار ومجرور متعلق بمد « لم » حرف نفي وجزم وقلب « أكن » فعل مضارع ناقص ، جواب الشرط ، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا « بأعجلهم » الباء حرف جر زائد ، أعجل : خبر أكن ، منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد ، وأعجل مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه « إذ » كلمة دالة على التعليل ، قيل : هي حرف ، فلا محل له من الإعراب ، وقيل : هي ظرف مبني على السكون في محل نصب « أجشع » مبتدأ ، وأجشع مضاف و « القوم » مضاف إليه ، مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة « أعجل » خبر المبتدأ ، مرفوع بالضمة الظاهرة . الشاهد فيه : قوله « مدت الأيدي » حيث حذف الفاعل ، وأقام المفعول به مقامه ، وأصل الكلام : مد القوم الأيدي ، فحذف « القوم » الذي هو فاعل ؛ لأنه لم يتعلق بذكره غرض ، وأقام الأيدي الذي هو المفعول به مقامه ، وضم أول الفعل وكسر ما قبل الآخر للدلالة على أنه مسند للنائب عن الفاعل . فإن قلت : فأين كسر ما قبل الآخر ؟ قلت : هو مقدر ، لا يمنع من ظهوره إلا إدغام الحرف في الحرف الذي من جنسه ، وأصله مدد - بضم الميم وكسر الدال الأولى - فأدغمت الدال في الدال . وفي قوله « أعجل » شاهد آخر للنحاة ، حيث استعمل صيغة أفعل غير دالة على التفضيل ؛ إذ المعنى لم أكن بالعجلان ؛ لأن أجشع القوم العجلان .