ابن هشام الأنصاري

157

شرح قطر الندى وبل الصدى

ش - يجوز في « كان ، وأمسى ، وأصبح ، وأضحى ، وظلّ » أن تستعمل بمعنى صار « 1 » ، كقوله تعالى : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ، وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً « 2 » ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً « 3 » ، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا « 4 » ، وقال الشاعر : « [ 44 ] » - أمست خلاء ، وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الّذي أخنى على لبد

--> ( 1 ) ههنا أمران أحب أن أنبهك إليهما : الأول : أن معنى مرادفة هذه الأفعال لصار أنها تدل على تحول الموصوف عن صفته التي كان عليها إلى الصفة التي يدل عليها خبرها ، نحو قوله تعالى فَكانَتْ هَباءً فإن المعنى واللّه أعلم أنها تحولت من صفة الثبات إلى صفة الهبائية ، ومثل ذلك قولك « صار زيد غنيا » ألا ترى أن المعنى أنه تحول من صفة عارضة هي الفقر إلى صفة أخرى عارضة أيضا هي الغنى ، ومن أمثلة ذلك قولهم « صار الطين إبريقا » . الأمر الثاني : أن جار اللّه الزمخشري ذهب إلى أن « بات » أيضا تأتي بمعنى صار ، ومثل لذلك بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « فإنه لا يدري أين باتت يده » والذي دعاه إلى هذا أن النوم قد يكون ليلا وقد يكون نهارا ، فإذا بقي بات على معناه الأصلي - وهو تخصيص ثبوت اسمها لخبرها بوقت البيات - لم يفد الكلام أن الحكم يسري على من نام نهارا ، وليس هذا الكلام بسديد ؛ فإن هذا التعبير جرى على ما هو الغالب في النوم وهو كونه ليلا ، والنوم في النهار قليل . وقد مضى عد الأفعال التي بمعنى صار والاستشهاد لها . ( 2 ) من الآيات 5 و 6 و 7 من سورة الواقعة . ( 3 ) من الآية 103 من سورة آل عمران . ( 4 ) من الآية 58 من سورة النحل . ( [ 44 ] ) - هذا البيت من كلام النابغة الذبياني ، وقد استشهد به الأشموني ( رقم 180 ) وشرحناه هناك شرحا وافيا . اللغة والرواية : « أمست خلاء » يروى في مكانه « أضحت خلاء » وتقديره أمست ذات خلاء ، والخلاء : الفراغ ، وقوله « وأمسى أهلها احتملوا » أي : ارتحلوا وفارقوها « أخنى عليها » أي : أفسدها ونقصها « لبد » بضم ففتح اسم - نسر ، وكان لبد هذا - فيما زعموا - آخر نسور لقمان بن عاد السبعة التي طلب إلى اللّه أن يعمر عمرها . المعنى : يصف دار أحبابه بأنها قد تحولت من حال إلى حال ؛ فقد خلت من الإنس ، ولم يبق بها من سكانها أحد ، وبأن الأيام قد أفسدت بهجتها ونقصت من أنسها . الإعراب : « أمست » أمسى : فعل ماض ناقص ، مبني على الفتح المقدر لا محل له ، والتاء علامة على تأنيث المسند إليه ، حرف لا محل له من الإعراب ، واسم أمسى ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الدار المذكورة في قوله : يا دار ميّة بالعلياء فالسّند * أقوت ، وطال عليها سالف الأمد « خلاء » خبر أمسى ، منصوب بالفتحة الظاهرة « وأمسى » الواو حرف عطف ، وأمسى : فعل ماض مبني -