محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
155
شرح الكافية الشافية
وإذا كان الجواب ماضيا لفظا لا معنى ، لم يجز اقترانه بالفاء إلا في وعد أو وعيد ، لأنه إذا كان وعدا أو وعيدا حسن أن يقدر ماضي المعنى ، فعومل معاملة الماضي حقيقة . ومثال الماضي حقيقة قوله - تعالى - : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ [ يوسف : 26 ] .
--> - مقام ذكر " ولم يرتض هذا من أبى عمرو المفسرون وأهل اللسان ، بل لم يصحّحوا رواية ذلك عنه لمعرفتهم بمكانته من العلم ؛ وردّوه على قائله من وجوه منها : أن الفصاحة تقتضى مقابلة الضلال - المراد به النسيان - بالإذكار والتذكير ، ولا تناسب في المقابلة بالمعنى المنقول عنه ، ومنها : أنّ النساء لو بلغن ما بلغن من العدد لا بد معهنّ من رجل يشهد معهنّ ، فلو كان ذلك المعنى صحيحا لذكّرتها بنفسها من غير انضمام رجل ، هكذا ذكروا ، وينبغي أن يكون ذلك فيما يقبل فيه الرجل مع المرأتين ، وإلّا فقد نجد النساء يتمحّضن في شهادات من غير انضمام رجل إليهنّ ، ومنها : أنها لو صيّرتها ذكرا لكان ينبغي أن يكون ذلك في سائر الأحكام ، ولا يقتصر به على ما فيه . . . وفيه نظر أيضا ، إذ هو مشترك الإلزام لأنه يقال : وكذا إذا فسّرتموه بالتذكير بعد النسيان لم يعمّ الأحكام كلّها ، فما أجيب به فهو جوابهم أيضا . وقال الزمخشري : " ومن بدع التفاسير : " فتذكّر " فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا ، يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذّكر " انتهى . ولم يجعل هذا القول مختصّا بقراءة دون أخرى . وأما نصب الراء فنسق على " أن تضلّ " لأنّهما يقرآن : " أن تضلّ " ب " أن " الناصبة ، وقرأ الباقون بتشديد الكاف من " ذكّرته " بمعنى جعلته ذاكرا أيضا ، وقد تقدّم أنّ حمزة وحده هو الذي يرفع الراء . وخرج من مجموع الكلمتين أنّ القرّاء على ثلاث مراتب : فحمزة وحده : " إن تضلّ فتذكّر " بكسر " إن " وتشديد الكاف ورفع الراء ، وأبو عمرو وابن كثير بفتح " أن " وتخفيف الكاف ونصب الراء ، والباقون كذلك ، إلا أنهم يشدّدون الكاف . والمفعول الثاني محذوف أيضا في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير وأبى عمرو ، وفعّل وأفعل هنا بمعنى ، نحو : أكرمته وكرّمته ، وفرّحته وأفرحته . قالوا : والتشديد في هذا اللفظ أكثر استعمالا من التخفيف ، وعليه قوله : على أنّنى بعد ما قد مضى * ثلاثون للهجر حولا كميلا يذكّرنيك حنين العجول * ونوح الحمامة تدعو هديلا وقرأ عيسى بن عمر والجحدري : " تضلّ " مبنيّا للمفعول ، وعن الجحدري أيضا : " تضلّ " بضم التاء وكسر الضاد من أضلّ كذا أي : أضاعه ، والمفعول محذوف أي : تضلّ الشهادة . وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد : " فتذكر " برفع الراء وتخفيف الكاف ، وزيد بن أسلم : " فتذاكر " من المذاكرة . ينظر الدر المصون ( 1 / 676 - 679 ) .