محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
156
شرح الكافية الشافية
ومثال الماضي لفظا لا معنى - مقرونا بالفاء - قوله - تعالى - : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [ النمل : 90 ] . وإلى هذا أشرت بقولي : ولا يلي ألفا الماضي الآتي معنى * إلا لوعد أو وعيد يعنى ويجوز أن تكون الفاء عاطفة ، ويكون التقدير : ومن جاء بالسيئة ، فكبت وجوههم في النار ، فيقال لهم : هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ؛ كما قال - تعالى - : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ [ آل عمران : 106 ] أي : فيقال لهم : أكفرتم . وإذا كان الجواب جملة اسمية ، أو فعلية لا تلى حرف الشرط ، وجب اقترانها بالفاء ليعلم ارتباطها بالأداة ، فإن ما لا يصلح للارتباط مع الاتصال ، أحق بأن لا يصلح مع الانفصال ، فإذا قرن بالفاء علم الارتباط . والفعلية التي لا تلى حرف الشرط هي التي فعلها غير متصرف نحو : فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ [ الكهف : 40 ] . أو ماض لفظا ، ومعنى نحو : فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [ يوسف : 77 ] . أو مطلوب به فعل أو ترك ؛ نحو : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] ونحو : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [ طه : 112 ] في رواية ابن كثير " 1 " . ومما يجب اقترانه بالفاء لأنه لا يلي حرف الشرط الفعل المقرون بالسين ، أو سوف ، والمنفى ب " لن " أو " ما " أو " إن " .
--> ( 1 ) " فلا يخاف " قرأ ابن كثير ( بجزمه ) على النهى ، والمعنى : أمن ، والنهى عن الخوف أمر بالأمن . والباقون : برفعه على النفي والاستئناف ، أي : فهو لا يخاف . والهضم : النقص تقول العرب : هضمت لزيد من حقي أي : نقصت منه ، ومنه : هضيم الكشحين أي : ضامرهما ، ومن ذلك أيضا ، " طلعها هضيم " أي : دقيق متراكب كأنّ بعضه يظلم بعضا فينقصه حقه . ورجل هضيم ومهتضم أي : مظلوم . وهضمته واهتضمته وتهّضمته عليه بمعنى ، قال المتوكل الليثي : إنّ الأذلّة واللّئام لمعشر * مولاهم المتهضّم المظلوم قيل : والظلم والهضم متقاربان وفرّق القاضي الماوردي بينهما فقال : الظلم منع جميع الحق ، والهضم منع بعضه . والظلم هنا هو أن يعاقب لا على جريمة أو يمنع من الثواب على الطاعة . والهضم هو أن ينقص من ثوابه . وقال أبو مسلم : الظلم أن ينقص من الثواب ، والهضم ألا يوفى حقه . ينظر : اللباب ( 13 / 396 - 397 ) .