ابن يعقوب المغربي
543
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
بلا تقدير المجرور بمن لأنه عادل بين كونه يحوي الغنائم أو يموت الكريم . والمطروق الجاري على الألسن أن يقال : لا بد لي من الغنيمة أو الموت فيفهم منه أن المراد بالكريم نفسه والمدح المستفاد من التعبير بلفظ الكريم يقتضي المبالغة المصححة للتجريد . وقيل وجه النظر أن الكلام حينئذ يكون التفاتا من التكلم إلى الغيبة ، ويرد بوجهين . أحدهما : أن الالتفات لو كان هو وجه النظر لم يتوقف على تقدير قوله : مني ؛ لأن المقام للمتكلم بدون تقدير مني . فكيف يقال : وفيه نظر ؛ لأنه التفات مع وجود مثل هذا النظر في مثال المنظر وهو المصنف ؟ والآخر : أن الالتفات لا ينافي التجريد على ما قررناه آنفا ، فلا يصح التنظير به في التجريد . ( ومنها ) أي ومن أقسام التجريد ما يكون مدلولا فيه على المعنى المجرد بطريق الكناية ، التي هي أن يعبر بالملزوم ويراد اللازم ، مع صحة إرادة الأصل ، وذلك ( نحو قوله : يا خير من يركب المطي ) " 1 " جمع مطية وهي المركوب من الإبل ( ولا يشرب كأسا ) وهو إناء من خمر ( بكف من بخلا ) أي : بكف من هو موصوف بالبخل فقوله : ولا يشرب كأسا بكف من بخلا ، كناية عن المراد ( أي : يشرب الكأس بكف الجواد ) والجواد تجريد ؛ وذلك أن المتكلم ( انتزع منه ) أي من المخاطب ( جوادا ) آخر ( يشرب بكفه ) . وجرى في إفادة هذا المعنى ( على طريق الكناية ؛ لأنه ) أي : وبيان جريانه على طريق الكناية التي هي التعبير بالملزوم عن اللازم أنه أي أن المخاطب ( إذا نفي عنه الشرب بكف البخيل ) وذلك هو المصرح به في قوله ولا يشرب كأسا بكف من بخلا ، ومعلوم أن ذلك المخاطب من أهل الشرب ( فقد أثبت له ) أي للمخاطب ( الشرب بكف كريم ) لأن الشرب لما تحقق في نفس الأمر ولم يكن بكف بخيل فقد كان بكف كريم ، إذ لا واسطة بينهما . ( ومعلوم ) أيضا ( أنه إنما يشرب غالبا بكف ) نفسه ( فهو ) حينئذ ( ذلك الكريم ) في نفس الأمر .
--> ( 1 ) البيت للأعشى الأكبر ، أعشى قيس ، في الإيضاح ص ( 244 ) ، وشرح المرشدى ( 2 / 98 ) .