ابن يعقوب المغربي

544

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

ومن البين أن الغرض في الكناية عن الشرب بكف الكريم - بنفي الشرب بكف البخيل - إنما هو الوصف بالكرم وأما الشرب بالكف فهو واسطة لا يتعلق به الغرض ، ولكن شربه بكف كريم يستلزم لما كانت الكف للممدوح - أنه كريم - فالكناية في الحقيقة عن الكريم ، لا عن كونه يشرب الخمر بكفه ، وقد يقال : إن الشرب مما يتمدح به لزعمهم في الجاهلية أن فيه مصالح كالشجاعة وزيادة الكرم ، فعليه تكون الكناية عنه مقصودة أيضا وعلى كل حال فقد جرد كريما آخر من المخاطب ، وكنى عنه أو عن شربه بكفه المستلزم له بنفي الشرب بكف البخيل ، ولا منافاة بين الكناية وكون المكنى عنه مجردا من غيره ، فإنه كما صح التعبير عن المجرد بالتصريح يصح بالكناية . فلو امتنع التعبير عن المجرد بالكناية لامتنع بالتصريح . وقد خفى هذا الذي قررناه - من كون التجريد لا ينافي الكناية - على بعضهم ، فزعم ذلك البعض أن كلام المصنف - في جعل هذا تجريدا بالكناية - لا يصح لأن الخطاب في قوله : يا خير من يركب المطي . إن كان لنفسه فهو تجريد ؛ لأنه صير نفسه أمامه مخاطبا ، وإنما يصيرها كذلك بالتجريد . وإذا كان هذا تجريدا فقوله : ولا يتشرب كأسا بكف من بخلا كناية عن الكريم ؛ ليكون وصفا للمجرد أولا . ولا تجريد في الكناية نفسها ؛ لأن التجريد وقع أولا . والكلام في كون الكناية تتضمن تجريدا مستقلا ولم يوجد على هذا وإن كان خطابا لغيره كان قوله : ولا يشرب كأسا بكف من بخلا ، كناية عن الكريم الذي هو ذلك المخاطب ، بواسطة دلالته على أنه يشرب بكف كريم ، مع العلم بأن الكف كفه ونحن نقول في الرد على هذا البعض أن الكناية لا تنافي التجريد ، كما قررناه قريبا إذ يصح أن يجرد المعنى ، ثم يعبر عنه بلفظ الكناية ، كما يصح بلفظ التصريح . ونقول أيضا في الرد على ذلك البعض في مقتضى كلامه - وهو أنه يصح أن يكون خطابا لنفسه - : لو كان الخطاب لنفسه لم يكن هذا المثال قسما برأسه ، بل يكون داخلا فيما بعد وهو التجريد في مخاطبة الإنسان نفسه ، ولكن هذا الرد يتوقف بالنسبة إلى الطرف الثاني من الاعتراض ، وهو أنه إن أراد خطاب غيره كان كناية ، ولا يكون تجريدا ، على أن المعترض يقول بمنافاة التجريد