ابن يعقوب المغربي
542
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
عن ذلك المعنى بنفسه ، أو بعد استحقاق المقام التعبير عنه بلفظ آخر ، من غير أن يكون ثم اختلاف بين المعبر عنه لفظا أو تقديرا أولا ، وبين المعبر عنه ثانيا . والتجريد هو أن يعبر عن معنى مجرد عن معنى آخر مع اعتبار أن المجرد شيء آخر فعلى هذا لا يصح أن يقصد الالتفات والتجريد في لفظ واحد ؛ لتنافي لازميهما وتنافي اللوازم يوجب انتفاء الملزومات . نعم لو قيل في الجواب أنه كما صح الالتفات يصح فيه التجريد على البداية لا على الاجتماع ؛ وذلك أن من المواد ما يصلح لقصد التجريد فقط ، ومنها ما يصلح للالتفات فقط ومنها ما يصلح لهما معا ، فالأول كما تقدم في قولهم لي من فلان صديق حميم ، إذ لا معنى للالتفات فيه ؛ لاتحاد الطريقتين فيه إذ هما معا غيبة . والثاني : كقوله تعالى ( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) " 1 " إذ لا معنى للتجريد هنا . والثالث : كالمثال الذي نحن في البحث فيه ، والتمثيل به ، على أنه تجريد ، ويدل على ذلك قرينة المدح كما تقدم ، كان وجها وأما أنهما يجتمعان قصدا فلا يصح كذا قيل : والحق أن الالتفات إن شرط فيه الاتحاد حقيقة ومن كل وجه من غير اعتبار المخالفة أصلا - كان منافيا في القصد للتجريد لوجود المخالفة فيه ؛ لأن المعنى المجرد قد اعتبر غير المجرد منه ، وإن شرط فيه وجود مطلق الاتحاد في نفس الأمر صح معه اعتبار المخالفة المصححة للتجريد الدال على المبالغة ، ويعتبر الاتحاد في نفس الأمر المصحح لقصد التنطع في التعبير ، وقصد تجديد الأسلوب زيادة في حسن الكلام فليتأمل . ( وقيل : تقديره ) أي تقدير الكلام السابق ( أو يموت منى كريم ) بزيادة منى فحينئذ لا يكون قسما يرأسه لعوده إلى ما دخلت فيه من على المنتزع منه كقولهم : لي من فلان صديق حميم ، وذلك أن المقدر كالمذكور . ( وفيه نظر ) أي وفي هذا القول نظر ؛ لأن تقدير شيء زائد في الكلام إنما يحوج إليه عدم تمام المعنى بدونه وهذا الكلام يفهم منه أن المتكلم جرد من نفسه كريما آخر
--> ( 1 ) الكوثر : 1 ، 2 .