ابن يعقوب المغربي

458

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

شائبة الوضوح ؛ لأن أول ما يدرك في الغالب عند الالتفات إلى اللوازم ما يكون منها بلا واسطة ، إذ اللازم الملاصق للملزوم أظهر ، وإنما كانت الوسائط موجبة للبعد ؛ لأن الإدراك حينئذ يتوقف على إدراكات قبله ، وذلك مما ينسي اللزوم ، ولا يخفى غالبا من خفاء إدراك بعض الوسائط فمن أجل هذا مع بعد زمان الإدراك فيها سميت بعيدة ، وإنما قلنا : إن الشأن في كل منهما ما ذكر إشارة إلى أن كلا منهما قد يكون على خلاف ذلك ، فيمكن في المنتفية الوسائط الخفاء كما تقدم في عرض القفا ، وفي كثيرتها الوضوح ؛ لمرور الذهن بسرعة إلى المقصود ، إما مع إحضارها لظهورها ، وإما بدون الإحضار لكثرة الاستعمال حتى يسرع الانتقال ، ولا يقال : إذا أسرع بدون إحضار فلا واسطة ؛ لأنا نقول : يكفي في كون الكناية ذات وسائط وجودها في نفس الأمر مع إمكان إحضارها عرفا تأمل واللّه أعلم . ( والثالثة ) من أقسام الكناية هي ( المطلوب بها نسبة ) والمراد بالنسبة كما هو العرف إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه ، وقد عبر المصنف في هذا المقام - كما يأتي وكذلك غيره - بالاختصاص ، وربما يتوهم من ذلك أن النسبة المطلوبة لا بد أن تكون على وجه الاختصاص الذي هو الحصر وليس كذلك ، وإنما المراد بالاختصاص مجرد ثبوت النسبة المقصودة سواء أريد إثباتها على وجه الحصر أم لا ، فقوله بعد : فترك التصريح بالاختصاص إلى الكناية مراده ترك التصريح بما يفيد مجرد الثبوت أو السلب سواء كان ذلك على وجه الحصر أم لا ، وليس المراد ترك التصريح بما يفيد الاختصاص الذي هو الحصر ؛ لأنه قد يكنى عن غير النسبة الحصرية ، وإنما عبر بالاختصاص عن مجرد الثبوت ، وإن كان مجرد الثبوت أعم ؛ لأن من ثبت له الشيء لا يخلو عن الاختصاص به في نفس الأمر ، ولو لم تقصد الدلالة عليه إذ لا بد من تحقق من ينتفي عنه ذلك الشيء في نفس الأمر ، ثم مثل للكناية المطلوب بها النسبة فقال ( كقوله : إن السماحة والمروءة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج " 1 "

--> ( 1 ) البيت لزياد الأعجم ، في الطراز ( 1 / 422 ) ، ونهاية الإيجاز ص ( 271 ) ، والإشارات ص ( 245 ) ، والإيضاح ص ( 278 ) .