ابن يعقوب المغربي
305
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
( وإذا احتبى قربوسه بعنانه ) " 1 " بفتح الراء وربما سكنت للتخفيف وهو مقدم السرج . علك الشكيم إلى انصراف الزائر وأراد الشاعر بالزائر نفسه كما دل عليه ما قبله والشكيم بمعنى الشكيمة ، وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس المدخلة فيه مجعولا في ثقبتها الحلقة الجامعة لذقن الفرس إلى تلك الحديدة . وقوله قربوسه يحتمل أن يكون هو الفاعل ، باحتبى بتنزيله منزلة الرجل المحتبى فكأن القربوس ضم إليه فم الفرس كما يضم الرجل ركبتيه إلى ظهره بثوب مثلا ، ويحتمل أن يكون مفعولا باحتبى مضمنا معنى جمع . والفاعل على هذا هو الفرس ، فكأنه يقول وإذا جمع الفرس قربوسه بعنانه إليه ، كما يضم المحتبي ركبتيه فعلى الأول ينزل وراء القربوس في هيئة التشبيه منزلة الظهر من المحتبي ، وفم الفرس بمنزلة الركبتين وهذا الوجه ولو كان فيه مناسبة ما من جهة أن الركبتين فيهما شيئان كفكى فم الفرس مع التقارب في المقدار . والقربوس متحدب كوسط الإنسان وخلفه كظهره لكن فيه بعد وبرودة وغموض ، وفيه مخالفة لمقتضى الوجه الثاني الذي يتحقق به قوة المشابهة في الهيئة وظرافة في الاعتبار ؛ وذلك أن الوجه الثاني اقتضى كما أشرنا إليه أن القربوس في الهيئة بمنزلة الركبتين والفم بمنزلة الظهر ومعلوم أن القربوس في الهيئة أعلى ، وكذا الركبتان والفم فيهما أسفل وكذا الظهر . والوجه الثاني لهذا الاعتبار أولى وأسد في تحقق التشابه ، وأوكد في الإلحاق ثم الاحتباء هو المشبه به ، وهو أن يضم الرجل ظهره وساقيه بثوب وشبهه ، والذي نقل إليه لفظ الاحتباء هو إلقاء العنان على القربوس ليضم رأس الفرس إلى جهته . وقد اشتمل كل منهما على هيئة تركيبية ، لاقتضائه محيطا مربعا ومضموما إليه مع كون أحد المضمومين أرفع من الآخر ، ومعلوم أن التركب في الهيئة لا يستلزم تركب الطرفين ، كما تقدم في العنقود والثريا ، ومثل ذلك الاحتباء هنا فلا يرد أن يقال الكلام في الاستعارة الإفرادية والهيئة تقتضي تركيبا في الاستعارة وهذه الهيئة نشأت في التعقل عن إيقاع العنان أو الثوب مثلا في موقعه
--> ( 1 ) لمحمد بن يزيد بن مسلمة في الإشارات ص ( 216 ) . القربوس : مقدم السرج ، علك : مضغ ، والشكيم : الحديدة المعترضة في فم الفرس .