ابن يعقوب المغربي

224

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

يقال الغرابة إنما تكون من جهة وجه الشبه ، ومعلوم أنه ليس هنا تصرف في وجه الشبه حتى يكون التشبيه به غريبا ؛ وإنما هنا ادعاء أن هذا الوجه فاق الشمس في الحسن ، وأنها تستحى منه وغاية ذلك أن يكون من التشبيه المقلوب ، ثم هذا على أن هنا تشبيها ، ونحن لا نسلم أن هنا تشبيها أصلا ؛ إذ لا أداة لفظا ولا تقديرا ؛ وإنما يرد لما بينا من أن التشبيه ضمني هنا أو كالمصرح به ، وأن الوجه كان ، إلا أنه شرط في تمام التشبيه به نقصان شيء منه ؛ سواء كان التشبيه المعتبر في ذلك مقلوبا أو لا ، فتأمله . فإن الموضع من السهل الممتنع ، ثم أتى بمثال آخر لما فيه تصرف مخرج عن الابتذال ، فقال : ( و ) ك ( قوله : عزماته ) " 1 " أي : عزمات الممدوح بمعنى إراداته المتعلقة بمعالى الأمور ( مثل النجوم ) حال كون النجوم ( ثواقبا ) أي : نوافذ في الظلمات بإشراقها من الثقوب وهو النفوذ ، وسمى لمعان النجوم ثقوبا لظهورها به من وراء الظلمة فكأنها ثقبتها ، ولذلك فسرت الثواقب باللوامع ، وتشبيه العزم بالنجم في الثقوب الذي هو في العزم بلوغه المراد أمر مشهور معلوم ؛ ولكن ادعى أن مع ثقوب الإرادة وصفا زائدا وهو عدم الأفول أي : عدم الغيبة ، بل هي دائمة الظهور ، فكأنه قال هذا التشبيه بين الطرفين تام لولا أن المشبه اختص بشيء آخر عن المشبه به ، وإليه أشار بقوله : ( لو لم يكن لل ) نجوم ال ( ثاقبات أفول ) وجواب لو محذوف أي : لتم التشبيه ومن المعلوم أن الثقوب في الطرفين تخييلى ، وأصله المجاز ، واختل في أحدهما بانتفاء الوصف اللازم له في المحل الآخر ، ولا شك أن إدراك هذا الوجه على هذا الشرط غريب ، فالتشبيه به غريب ( ويسمى ) مثل ( هذا التشبيه ) التشبيه ( المشروط ) لتقييد الوجه في المشبه ، أو المشبه به ، أو كليهما بشرط وجودي أو عدمي يدل عليه بصريح اللفظ أو بسياق الكلام ، ومثال تقييد المشبه به ما ذكر المصنف ، وهو قوله : عزماته مثل النجوم إلخ ، فإنه قيد الوجه في المشبه به بعدم أفول فلم يتم التشبيه بدونه ، ومثال تقييد المشبه ما لو عكس المثال فقيل : النجوم كعزماته لولا أنه لا أفول لها ، ومثال تقييدهما معا ما لو قيل زيد في علمه بالأمور إذا كان غافلا كعمرو في علمه إذا كان يقظان ، ومثال

--> ( 1 ) البيت للوطواط في الإشارات ص ( 198 ) ، والثواقب : السواطع ، والأفول : الغروب .