ابن يعقوب المغربي
223
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
كالعورة ، يستحى منه صاحبه بين يدي هذا الوجه ، ولما علم وجود الحسن في وجه الشمس من العادة لتشبيه الوجوه الحسان به - استفيد من الكلام أنه استشعر تشبيهه بالشمس ؛ حيث ذكر حسن الوجه معه على العادة ، لكن منعه من التشبيه شدة البعد عن الشمس حتى صارت لو كانت ممن يستحى لم تظهر بين يديه ، فها هنا تشبيه منع من تمامه مانع الزيادة في الحسن زيادة بلغت النهاية ، فكأنه يقول : هذا الوجه كالشمس في أصل الحسن فيصح تشبيهه بها ، لولا أنه زاد عليها زيادة أوجبت لها كونها بحيث تستحى أن تحضر بين يديه ، ولا شك أن هذا المعنى المستفاد من حديث الحياء غاية في الدقة ، فالتشبيه على هذا ضمني ، ويحتمل أن يكون المعنى لم تلقه ملاقاة مقايستها نفسها به ، ومعارضتها إياه في الحسن بأن تدعى أنه كهى ، أو أنها كهو إلا بعدم الحياء ، فيكون التشبيه كالصريح ، وقد شرط فيه انتفاء هذا المانع الذي هو زيادته عليها زيادة أوجبت كونها بحيث لا يتصور لها ذلك إلا بنفي الحياء إن كانت ممن يستحى ، ومثل ذلك بقوله : إن السحاب لتستحى إذا نظرت * إلى نداك فقاسته بما فيها " 1 " ولو جعل التشبيه في الوجه معكوسا - وهو الأنسب لهذه المبالغة - لأفاد مع تلك المبالغة هذا المعنى ، فتحصل من هذا أنه شبه الشمس بالوجه عكسا للتشبيه ، أو شبه الوجه بالشمس على الأصل ، وشرط في تمامه وصحته انتفاء مانع لهذا التشبيه ، وهو الزيادة الكثيرة الموجبة لكون المزيد عليه بحيث يستحى أي يحضر بين يدي الزائد في الحسن ، وإذا فهم ما قررناه ظهرت مطابقة هذا الكلام لما قررناه أولا من أن هنا تشبيها ووجها شرط في صحته وتمامه انتفاء وصف اعتبر فيه وهو بلوغه النهاية ، ولو كان اعتباره ادعاء ، وإدراك الوجه على هذه الحالة غريب ، أي : إدراك الحسن المشترك بين الشمس والوجه ، على شرط أنه إنما يتم التشبيه به لو فرض فيه انتقاص منه في ذلك الوجه غريب ، فيكون نفس التشبيه غريبا باعتباره وظهرت موافقته لما بعده من أن التصرف فيه يرجع إلى شرط انتفاء وصف كان ، أو ثبوت وصف لم يكن ، فلا يرد أن
--> ( 1 ) البيت لأبى نواس في الإيضاح بتحقيق د . عبد الحميد هنداوى ص ( 239 ) .