ابن يعقوب المغربي
222
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ولا أعظم شاهدا في ذلك من قوله تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ " 1 " إلى غير ذلك ، وكثيرا ما تكل العرب المعنى إلى تأمل السامع ، فليس كل ما احتيج فيه إلى تأمل كان منهيا عنه ، فافهم . ولما بين المصنف أن المبتذل هو الذي يكون ظاهر الوجه عند كل أحد ، وأن الغريب هو الذي لا يدركه ابتداء في الغالب إلا الخواص ؛ أشار إلى أن الابتذال قد يتخلف عن ظهور الوجه فيصير التشبيه فيه غريبا لمانع هو وجود تصرف زائد فيه ، بأن يشترط في تمام التشبيه وجود وصف لم يكن ، أو انتفاء وصف كان ، ولو كان ادعاء بشرط أن يكون ذلك على وجه دقيق فيصير بذلك التصرف مخصوص الإدراك بالخواص ، فيخرج عن معنى الابتذال إلى الغرابة ، فقال : ( وقد يتصرف ) في التشبيه ( القريب ) المبتذل ( بما ) أي : بتصرف ( يجعله ) أي يجعل ذلك المبتذل ( غريبا ) خارجا عن الابتذال ( كقوله " 2 " : لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا * إلا بوجه ليس فيه حياء فإن مضمون البيت أن وجه المحبوب المشار إليه لا يتصور من الشمس أن تلقاه بحيث يراها وتراه - لو كان لها عينان - إلا بانتفاء الحياء عنها ، وأما لو كان لها حياء لم تستطع أن تلقاه ، ففي هذا الكلام تنزيل الشمس منزلة من يرى ويستحى ، ولا شك أنه تقرر عرفا أن تغييب الإنسان وجهه عن وجه غيره حياء يكون لأحد أمرين إما لذنب عمله فاستحيا من الملاقاة خوف اللوم ، وإما لظهور قبحه بين أعين الناس عند رؤيتهم لوجه الحاضر ؛ لأنه لا مناسبة بينهما في الحسن ، فيظهر وجه المستحى كالعورة بالنسبة إلى وجه المستحيا بين يديه ، فيقال : لا تلق فلانا إلا إن لم يكن في وجهك حياء لإساءتك ، أو لظهور قبح وجهك عند الحاضرين بالنسبة لحسن وجهه ، والمعنى الأول هنا وهو الإساءة منتف فتعين الثاني وهو أن حسن وجه المحبوب فاق وجه الشمس المعلوم بالحسن ، وزاد عليه زيادة أوجبت كون وجه الشمس بين يديه وعند ظهوره
--> ( 1 ) القصص : 73 . ( 2 ) البيت للمتنبى في الإيضاح ص ( 238 ) ، وعقود الجمان ( 2 / 30 ) .