ابن يعقوب المغربي
221
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
كالبدر أفرط في العلو وضوءه * للعصبة السارين جد قريب فإنه لما وصفه بنهاية البعد وهو معنى الشسوع وبالقرب ألحقه بما يظهر فيه الأمران ، ويظهر فيه حسنهما لمناسبة بين المحلين وهو البدر ، يظهر شرف شسوعه بإفراط علو البدر ، وشرف دنوه بوصول ضوئه للسارين ، وهذا الحسن إنما أدرك بعد التأمل في البيتين ، وعرض ما في الثاني على الأول ، ورد لاحقهما لسابقهما ليعرف مقتضى كل منهما في الآخر ، وهكذا المعاني الشريفة يعضد بعضها بعضا ، ويلائم أولها آخرها ، فإذا كان سبب الحاجة إلى التأمل رد الآخر لما قبله وعرضه عليه لم يكن ذلك مما يخل بالفصاحة ، فإن الآي القرآنية فيها مناسبة دقيقة ، وليس طلب إدراكها مما يعاب أصلا ، إذ ليس من التعقيد ، وإن كانت تلك الحاجة بسبب سوء الترتيب في اللفظ أو بسبب خلل في الانتقال من الملزوم إلى اللازم كان من التعقيد المنهى عن ارتكابه ، فقد تبين بهذا أن الحاجة إلى التأمل في رد السابق إلى اللاحق والثاني إلى الأول لحكمة إدراك حسن المناسبة مع صحة الترتيب ، أو لحكمة ما يترتب على المناسبة من أخذ هيئة لا تستقيم إلا بفهم تلك المعاني على ترتيبها وتناسبها ورد بعضها إلى بعض - ليست من العيب في شيء ، وكذا لطف المعنى ودقته ، ومن المعلوم أن رعاية المناسبة من جزئيات دقة الإدراك ولو شرط في الحسن انتفاء الدقة وانتفاء حسن الترتيب المحوج إلى التأمل ما تفاوتت البلغاء ، ومن الدليل على ذلك أنهم عدوا من محاسن الكلام ما فيه اللف والنشر ، مع الحاجة في فهم المراد منه إلى التأمل في رد اللاحق للسابق فيه ، ورد الثاني وما يجرى مجراه إلى الأول وما يجرى مجراه فيه ؛ إذ لا يفهم غالبا بلا تأمل ، لكن لما كان الترتيب فيه غير مختل حسن وعد من البديع الذي لا يخل بالفصاحة بل يزيدها حسنا كقوله : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي " 1 " وقوله : كيف أسلو وأنت حقف وغصن * وغزال لحظا وقدّا وردفا
--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ( 38 ) ، والإشارات ص ( 182 ) ، وعقود الجمان ( 2 / 25 ) .