ابن يعقوب المغربي
220
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الحسن والقبول ؟ فالجواب أن الحاجة إلى التأمل التي سميتها صعوبة الفهم إن كان سببها دقة المعنى المراد كالوجه في تشبيه منقار البازي بالجيم التي وضعها الأعسر ، على شرط أن تكون بحيث لو زيد عليها العين والفاء والراء صار جعفرا - كما وقع في شعر أبى نواس - فإنه غاية في اللطافة ، إذ يفهم من هذا الشرط أن المراد الجيم التي لم تعرق ، مع أن التفطن لوجود الهيئة بما بين منقار البازي وتلك الجيم ، تفطن لأمر دقيق ، فهذا لا يخل بالفصاحة ؛ لأن سلوك العقل سبل الدقائق لفهمها ليس عنده أحلى منه ، فكيف يستقبح ولو كان فيه مشقة ما ودقة المعاني تتصور في الحقيقة كالتشبيه ، وتتصور في المجاز على ما يأتي ، وكذا إذا كان سبيلها رعاية الترتيب وفي المرتب بعد ، فيحتاج العقل إلى التمهل في إدراك المرتب على ما هو ، فيجعل الأول أولا والثاني ثانيا إلى آخرها ، فإذا اجتمعت تلك المعاني على ترتيبها رد اللاحق فيها إلى السابق والثاني إلى الأول إن احتاج إليه لحكمة إما لأخذ الغرض منه كالوجه المركب كما تقدم في ترتيب جمل الآية الكريمة في قوله تعالى : كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ * إلى آخر الآية ، فإن الترتيب كذلك ينبغي أن يكون ، فلما رد العقل لاحقها لسابقها أي : اعتبره معه على ترتيبها ، أخذت الهيئة التي هي الوجه على ذلك الترتيب كما تقدم ، ولولا اعتبار رد معنى بعضها إلى بعض بضرب من المناسبة لاختلت الهيئة ، إذ لو أخذت من البعض لم تكمل الهيئة ، ولو رد بعضها إلى بعض لا على طريق المناسبة كأن تجعل الهيئة مبنية أولا على حالة الماء لا النبات - لم تحسن كما لا يخفى ، وترتيب الآية لموافقة الواقع في غاية الحسن فأحوج ذلك إلى تأمل في ابتداء الهيئة من جهة النبات لتكمل وذلك ظاهر ، وإما لأن المناسبة بنفسها بين تلك المعاني مطلوبة لذاتها لا لأخذ شيء منها فيرد فيها السابق للاحق ، فإن المعاني الشريفة إذا اجتمعت لا تخلو من حكمة المناسبة ، وانظر إلى قوله " 1 " : دان على أيدي العفاة وشاسع * على كل ند في الندى وضريب
--> ( 1 ) البيتان للبحترى في شرح عقود الجمان ( 2 / 6 ) ، وأوردهما محمد بن علي الجرجاني في كتابه الإشارات والتنبيهات ص ( 172 ) منسوبين للبحترى ، وفي الإيضاح بتحقيق د . عبد الحميد هنداوى ص ( 189 ) والعفاة : جمع عاف وهو طالب الفضل أو سائل الرزق .